تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وسوسته ، وشدة اهتمامه ، إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة - فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى . فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسته . وقوله تعالى :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ
أي : جنوده من الشياطين
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
أي من مكان لا ترونهم فيه . والجملة استئناف لتعليل النهي ، وتأكيد التحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدوّ المداجي ، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون . عن مالك بن دينار : إن عدوّا يراك ولا تراه ، لشديد المؤنة ، إلا من عصم اللّه .

تنبيه :

قال السيوطي في ( الإكليل ) : قال ابن الفرس : استدل بها بعضهم على أن الجن لا يرون وأن من قال إنهم يرون فهو كافر - انتهى - ومراده بالبعض ، المعتزلة ، ولذا قال الزمخشري : فيه دليل بيّن أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس ، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم ، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة - انتهى - وقال الجشميّ : تدل على بطلان قول العامة إن الشيطان يتصور لنا ونراه . ثم قال : ومتى قيل : أليس يرون زمن الأنبياء ، ويرى المعاين الملك ؟ فجوابنا : أنه يزداد قوة الشعاع ، أو تتكاثف أبدانهم ، فيكون معجزة للنبي - انتهى - . وأجاب أهل السنة كما في ( العناية ) : بأنه قد ثبتت رؤيتهم ، بالأحاديث الصحيحة المشهورة ، وهي لا تعارض ما في الآية . لأن المنفي فيها رؤيتهم إذا لم يتمثلوا لنا . وقال في فتح البيان : وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشيطان غير ممكنة ، وليس في الآية ما يدل على ذلك ، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه وليس فيها أنا لا نراه أبدا ، فإن انتفاء الرؤية منّا له ، وفي وقت رؤيته لنا ، لا يستلزم انتفاءها مطلقا . والحق جواز رؤيتهم كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة ، وتكون الآية مخصوصة بها ، فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض - انتهى - . وقد أوضح الغزالي رحمه اللّه رؤيا الجن والشياطين برؤيا الملائكة حيث قال في ( الركن الثاني ) : الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة