تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
الثاني - أن يكون على سبيل التضرع ، وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير ، ليتحقق بذلة العبودية لعزة الربوبية . الثالث - أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف والخشية من سلطان الربوبية ، وعظمة الألوهية ، من المؤاخذة على التقصير في العمل ، لتخشع النفس ، ويخضع القلب . الرابع - أن يكون دون الجهر ، لأنه أقرب إلى حسن التفكر . قال ابن كثير : فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداء ولا جهرا بليغا . وفي الصحيحين « 1 » عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار ، فقال لهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : يا أيها الناس ! اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا . إن الذي تدعونه سميع قريب ، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته . قال الإمام : المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافة ، كما قال تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
[ الإسراء : 110 ] . الخامس - أن يكون باللسان لا بالقلب وحده ، وهو مستفاد من قوله :
وَدُونَ الْجَهْرِ
لأن معناه : ومتكلما كلاما دون الجهر ، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفا على
تَضَرُّعاً
، أو هو معطوف على
فِي نَفْسِكَ
. أي اذكره ذكرا في نفسك ، وذكرا بلسانك دون الجهر . السادس - أن يكون بالغدوّ والآصال ، أي في البكرة والعشيّ . فتدل الآية على مزية هذين الوقتين ، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد . وما بينهما ، الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش . وقد روي : أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره ، فطلب الذكر فيهما ، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر . ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
أي من الذين يغفلون عن ذكر اللّه ، ويلهون عنه ، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى ، واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه ، بقدر الطاقة البشرية . ثم ذكر تعالى ما يقوي دواعي الذكر ، وينهض الهمم إليه ، بمدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار ، لا يفترون ، فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجهاد ، 131 - باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير ، حديث 1423 . وأخرجه مسلم في : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، حديث 44 - 47 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 248 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود