تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وفي حديث كعب : وددت أن هذا اللبن يعود قطرانا ، أي يصير . فقيل له : لم ذلك ؟ قال : تتّبعت قريش أذناب الإبل ، وتركوا الجماعات . قال الشهاب : إلا أنه قيل إنه لا يلائم قوله
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
إلا أن يقال بالتغليب فيه ، أو يقال : التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه . ألا ترى إلى قوله
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ *
[ الأعراف : 83 ] و [ النمل : 57 ] وأمثاله ؟ ومنها : أن العود يطلق ، ويراد به الابتداء . حققه الراغب والجار بردي وغير واحد . وأنشدوا قول الشاعر :
وعاد الرأس منّي كالثّغام
ومعنى الآية : لتدخلنّ في ملتنا ، وقوله تعالى :
إِنْ عُدْنا
أي دخلنا - كذا في تاج العروس - . ومنها : إبقاء صيغة العود على ظاهرها ، من استدعائها رجوع العائد ، إلى حال كان عليها قبل . كما يقال : عاد له ، بعد ما كان أعرض عنه ، إلا أن الكلام من باب التغليب . قال الزمخشري : لما قالوا :
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ
فعطفوا على ضميره ، الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم - قالوا
لَتَعُودُنَّ
فغلبوا الجماعة على الواحد . فجعلوهم عائدين جميعا ، إجراء للكلام على حكم التغليب . وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال :
إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
وهو يريد عود قومه ، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم ، وإن كان بريئا من ذلك ، إجراء لكلامه على حكم التغليب - انتهى . ومنها : ما قاله الناصر في ( الانتصاف ) : إنه يسلم استعمال ( العود ) بمعنى ( الرجوع إلى أمر سابق ) ، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
[ الظلمات : 257 ] والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه ، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر ، ولا كان فيها . وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الإيمان ، ولا كان فيه . ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق اللّه العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده ، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ،