تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد ، فطلبوا إلى اللّه الفرج منه ، كانت طلبتهم إلى اللّه عند بيته الحرام بمكة ، مسلمهم ومشركهم ، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم ، وكلهم معظّم لمكة ، يعرف حرمتها ومكانها من اللّه . قال ابن إسحاق : وكان البيت في ذلك الزمان معروفا مكانه ، والحرم قائم فيما يذكرون ، وأهل مكة يومئذ العماليق - وإنما سموا ( العماليق ) لأن أباهم ( عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ) - وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة ، فيما يزعمون ، رجلا يقال له معاوية بن بكر ، وكان أبوه حيّا في ذلك الزمان ، ولكنه كان قد كبر ، وكان ابنه يرأس قومه ، وكان السؤدد والشرف من العماليق ، فيما يزعمون ، في أهل ذلك البيت . وكانت أم معاوية بن بكر ، كلهدة ابنة الخبيري ، رجل من عاد . فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا قالوا : جهّزوا منكم وفدا إلى مكة فليستسقوا لكم ، فإنكم قد هلكتم ! فبعثوا عقيل بن عنز ولقيم بن هزّال بن هزيل ، وعتيل بن صدّ بن عاد الأكبر ، ومرثد بن سعد بن عفير ، وكان مسلما يكتم إسلامه ، وجلهمة بن الخبيري ، خال معاوية بن بكر أخو أمه . ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صدّ بن عاد الأكبر . فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه ، حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا . فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم ، وكانوا أخواله وصهره . فلم نزل وفد عاد على معاوية بن بكر ، أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ، وتغنيهم الجرادتان - قينتان لمعاوية بن بكر - وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا . فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم ، وقد بعثهم قومهم يتعوّذون بهم من البلاء الذي أصابهم ، شق ذلك عليه ، فقال : هلك أخوالي وأصهاري ! وهؤلاء مقيمون عندي ، وهم ضيفي نازلون عليّ ! واللّه ما أدري كيف أصنع بهم ؟ أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي ، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا ! أو كما قال : فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين ، فقالتا : قل شعرا نغنّيهم به ، لا يدرون من قاله ، لعل ذلك أن يحركهم ! .