تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
ولما ذكر تعالى هذه البراهين ، من دلائل العالم العلوي والسفلي ، على عظيم قدرته ، وباهر حكمته ، ووافر نعمته ، واستحقاقه للألوهية وحده - عقبها بتوبيخ من أشرك به والرد عليه بقوله سبحانه :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 100 ]

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 )
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
أي : جعلوهم شركاء له في العبادة . فإن قيل : فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام ؟ فالجواب : أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن ، وأمرهم بذلك . كقوله :
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ . وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً
[ النساء : 117 - 119 ] . وكقوله تعالى :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي . . .
[ الكهف : 50 ] الآية . وقال إبراهيم لأبيه :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
[ مريم : 44 ] . وكقوله :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
[ يس : 60 - 61 ] وتقول الملائكة يوم القيامة
سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ، أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
[ سبأ : 41 ] .
وَخَلَقَهُمْ
حال من فاعل
جَعَلُوا
، مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان ، باعتبار علمهم بمضمونها . أي : وقد علموا أن اللّه خالقهم دون الجن ( وليس من يخلق كمن لا يخلق ) ! وقيل : الضمير للشركاء . أي : والحال أنه تعالى خلق الجن ، فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له ؟ كقول إبراهيم :
أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 95 - 96 ] . أي : وإذا كان هو المستقل بالخالقية ، وجب أن يفرد بالعبادة ، وحده لا شريك له .

تنبيه :

ما ذكرناه من معنى قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
أنهم أطاعوا الجن في عبادة الأوثان ، هو ما قرره ابن كثير ، وأيده بالنظائر المتقدمة ، ونقل عن الحسن ، فتكون الكناية لمشركي العرب .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 448 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود