تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان ، علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل . ولما عرفت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان ، علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل . ثم إنه تعالى خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده ، والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة ، كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] . فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة ، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها ، حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له ، ويظهر لك أن أنواع نعم اللّه في حقك غير متناهية ، كما قال :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] . وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة . فهذا كلام مختصر في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
. ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له . ونسأل اللّه التوفيق والهداية . انتهى كلام الرازي رحمه اللّه تعالى .
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
كالحيوان من النطفة ، والنبات الغض الطريّ من الحب اليابس ،
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ
كالنطفة والحب
مِنَ الْحَيِّ
كالحيوان والنبات .
ذلِكُمُ اللَّهُ
أي : الفالق للحب والنوى ، والمخرج الحيّ من الميت وعكسه ، هو اللّه ، القادر العظيم الشأن ، المستحق للعبادة وحده .
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
أي : تصرفون عنه إلى غيره . قال الرازي : والمقصود منه أن الحيّ والميت متضادان متنافيان ، فحصول المثل عن المثل ، يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم ، والمدبر العليم .

تنبيه :

ذهب الزمخشري ومن تبعه إلى أن قوله تعالى :
وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ
عطف على
فالِقُ
لا على
يُخْرِجُ الْحَيَّ
. لأنه بيان لفالق الحب والنوى ، وهذا لا يصلح للبيان . وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه ، كقوله :
صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ
[ الملك : 19 ] . والصحيح أنه معطوف على
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
واشتماله