تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه ، وقعت البشارة به ، وبولد اسمه يعقوب ، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية ، وكانت هذه المجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ، ونزح عنهم ، وهاجر من بلادهم ، ذاهبا إلى عبادة اللّه في الأرض ، فعوضه اللّه عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين ، من صلبه ، على دينه ، لتقر بهم عينه ، كما قال تعالى :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ . .
[ مريم : 49 ] . الآية .
وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ
أي : من قبله ، هديناه كما هديناه . وعدّ هداه نعمة على إبراهيم ، من حيث إنه أبوه ، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد . قال ابن كثير : كل منهما له خصوصية عظيمة ، أما نوح عليه السلام فإن اللّه تعالى لما أغرق أهل الأرض ، إلا من آمن به ، وهم الذين صحبوه في السفينة ، جعل اللّه ذريته هم الباقين ، فالناس كلهم من ذريته . وأما الخليل إبراهيم عليه السلام ، فلم يبعث اللّه عز وجل بعده نبيا إلا من ذريته ، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
[ العنكبوت : 27 ] الآية . وقال تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
[ الحديد : 26 ] . وقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
[ مريم : 58 ] . وقوله تعالى :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ
الضمير لإبراهيم أو لنوح ، على ما يأتي ،
داوُدَ
عطف على
نُوحاً
أي : وهدينا داود ،
وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
.
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ
.
وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ
. اعلم أن المقصود من هذه الآيات ، وما قبلها ، وما يلحقها ، تعديد أنواع نعم اللّه تعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، جزاء اعتزاله قومه وما يعبدون ، وقيامه بنصرة التوحيد ، ودحض الشرك . فذكر تعالى أولا رفع درجته ، بإيتائه الحجة على قومه ، وتخصيصه بها ، ثم جعله عزيزا في الدنيا ، حسبا ونسبا ، أصلا وفرعا ، لأنه تولد من نوح أول المرسلين رسالة عامة ، ووهبت له الذرية الطاهرة ، أنبياء البشر . ولذا ذهب الأكثرون إلى أن الضمير في
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ
لإبراهيم ، لأن مساق النظم لبيان شؤونه العظيمة ، كأنه قيل : ولم نزل نرفع درجاته بعد ذلك إذ هدينا من ذريته داود . .