تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
لذلك ، خوف الضرر عندها بقدرة اللّه تعالى ، لا بها ، وكأنه في الحقيقة لم يخف إلا من اللّه ، لأن الخوف الذي أثبته منها معلق بمشيئة اللّه وقدرته ، وهو كالخوف منها - واللّه أعلم - . وقوله تعالى :
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
كأنه علة الاستثناء ، أي : أحاط بكل شيء علما . فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ، أي : كرجمه بالنجوم . لأنه إذا أحيل شيء إلى علم اللّه ، أشعر بجواز وقوعه . وفي الإظهار في موضع الإضمار ، مع التعرض لعنوان الربوبية ، إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى ، واستسلام لأمره ، واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته . هذا ، وجعل المهايمي ذلك علة لاستدراك محذوف ، لعلمه من المقام ، حيث قال في الآية : ولا أخاف الضرر على نفسي من تأثير ما تشركون به ، إلا أن يشاء ربي أن يجعل لهم شيئا من التأثير ، لكنه لا يشاء في شأني ، لأنه
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
فعلم أنه لو أوجد التأثير فيهم بما يضرون به من بعثه لتوحيده ، صار محجوبا انتهى - والأول أقرب - .
أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
أي : تعتبرون بأن هذه المعبودات جمادات ، لا تضر ولا تنفع ، وأن النافع الضار هو الذي خلق السماوات والأرض .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 81 ]

وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 )
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ
أي : معبوداتكم ، وهي مأمونة الخوف ،
وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ
، أي : بإشراكه
عَلَيْكُمْ سُلْطاناً
أي : حجة . إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة . والمعنى : وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن ، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع أعظم المخوفات وأهولها
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
أي : فريقي الموحدين والمشركين ،
أَحَقُّ بِالْأَمْنِ
أي : من لحوق الضرر ،
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي : ما يحق أن يخاف منه . أو من أحق بالأمن أو من أولي العلم ؟ وجواب الشرط محذوف . أي : فأخبروني . ثم بيّن تعالى من له الأمن ، جوابا عما استفهم عنه الخليل عليه السلام بقوله :
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 412 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود