تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤

تنبيهان :

الأول - ظاهر الخطاب في الآية على العموم . وخصه في ( الكشاف ) بالكفرة ، ذهابا إلى أن قوله :
وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ
يدل على تهديد شديد ، لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين ، وأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل ، كما أن قوله :
ما جَرَحْتُمْ
بيان حالهم المذمومة في النهار . وحمل ( البعث ) لا على الإيقاظ ، بل على البعث من القبور . وفي ( فيه ) بمعنى ( من أجله ) كقولك : فيم دعوتني ؟ فتقول : في أمر كذا ، والمعنى : أنكم ملقون كالجيف بالليل كاسبون للآثام بالنهار . وأنه تعالى مطلع على أعمالكم ، يبعثكم من القبور في شأن ما قطعتم به أعماركم ، من النوم بالليل ، وكسب الآثام بالنهار ، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى ، وجزائهم على أعمالهم . والذي حمله على ذلك . زعمه أن قوله
وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
دالّ على حال اليقظة ، وكسبهم فيها . وكلمة
ثُمَّ
تقضي تأخير البعث عنها . قال شراحه : ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وأنه لا حاجة إليه ، لأن قوله :
وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل ، ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي ، وأن الإيقاظ متأخر عن التوفي . وإن قولنا ( يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدرة ) كلام منتظم غاية الانتظام . الثاني - قال الشريف المرتضى في ( الدرر والغرر ) فيما وقع من القرآن من ذكر الرجوع إلى اللّه نحو
إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ *
: كيف ترجع إليه ، وهي لم تخرج من يده ؟ وأجاب : بأنه في دار التكليف قد يغير البعض ، فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره . فإذا انكشف الغطاء ، انقطعت حبال الآمال عن غيره ، فيرجع إليه . أو أن المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقيّ . ف ( رجع ) بمعنى ( صار ) . تقول العرب : رجع عليّ من فلان مكروه ، بمعنى صار ، ولم يكن سبق . فهو بمعنى المصير إليه ، كما تشهد به اللغة . أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ظاهرا كالعبد لسيده ، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة ، زال ذلك ، ورجع الأمر كله إلى اللّه ، ظاهرا وباطنا .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 61 ]

وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 )
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
قد مرّ تفسيره ، وأنه المتصرف في أمورهم لا غيره ، يفعل بهم ما يشاء .