تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
[ الفرقان : 7 ] .
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ
جواب لمقترحهم ، وبيان لمانعه ، وهو البقيا عليهم ، كيلا يكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه . والمعنى : أن الملك لو أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صورته ، وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن ، ثم لم يؤمنوا ، لحاق بهم العذاب ، وفرغ الأمر . فإن سنة اللّه قد جرت في الكفار أنهم متى اقترحوا آية . ثم لم يؤمنوا ، استؤصلوا بالعذاب ، كما قال تعالى :
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ
[ الحجر : 8 ] . وقوله تعالى :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
[ الفرقان : 22 ] .
ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
أي : لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين ، فضلا عن أن ينذروا به . ومعنى ( ثم ) بعد ما بين الأمرين ، قضاء الأمر ، وعدم الإنظار جعل عدم الإنظار . أشد من قضاء الأمر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة .

تنبيه :

ذكر الزمخشريّ وجها ثانيا في تعجيل عذابهم ، عند نزول الملائكة ، وهو أنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف ، فيجب إهلاكهم ، وفي ( الكشف ) الاختيار قاعدة التكليف ، وهذه آية ملجئة . قال تعالى :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
[ الفتح : 85 ] . فوجب إهلاكهم ، لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة ، إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف ، وهو لا يبقى مع الإلجاء . هذا تقريره على مذهبهم ، وهو غير صاف عن الإشكال . انتهى . وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد السنة ، وكأنّ وجه إشكاله أنه وقع في القرآن ، والواقع ما ينافيه ، كما في قوله تعالى :
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ . . .
[ البقرة : 259 ] . - كذا في ( العناية ) - وذكر أيضا وجها ثالثا . وهو أنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته ، زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون . قال في ( الانتصاف ) : ويقوّي هذا الوجه قوله :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
. قال ابن عباس . ليتمكنوا من رؤيته ، ولا يهلكوا من مشاهدة صورته ، انتهى . وهذا الوجه آثره أبو السعود في التقديم حيث قال : أي لو أنزلنا ملكا على هيئته حسبما اقترحوه ، والحال أنه من هول المنظر ، بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى الآحاد البشرية . ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكة ويفاوضونهم على الصورة البشرية ؟ كضيف إبراهيم ولوط ، وخصم داود عليهم