تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 1 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 )
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي جميع المحامد ، بما حمد به نفسه أو خلقه ، أو حمد به الخلق ربهم ، أو بعضهم ، مخصوص به . ثم أخبر عن قدرته الكاملة ، الواجبة لاستحقاقه لجميع المحامد بقوله :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
خصهما بالذكر ، لأنهما أعظم المخلوقات ، فيما يرى العباد ، وفيهما العبر والمنافع ، لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية . والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات .
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
أي : أوجدهما منفعة لعباده ، في ليلهم . ونهارهم . وهاهنا :

لطائف :

الأولى - أن المقصود من الآية التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو الحقيق بالحمد والعبادة ، دون ما سواه . الثانية - لفظ ( جعل ) يتعدى إلى واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ ، كما هنا ؛ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى ( صيّر ) كقوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] . والفرق بين ( الخلق ) و ( الجعل ) أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي ( الجعل ) معنى التضمين ، كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان إلى مكان . ومن ذلك :
وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها
[ الأعراف : 189 ] .
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[ الزمر : 6 ] . وإنما حسّن لفظ ( الجعل ) هاهنا ، لأن النور والظلمة لما تعاقبا ، صار كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر - قاله الرازيّ - وسبقه إليه الزمخشريّ .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 309 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود