فله أسوة أمثاله . كما قال تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
[ الزخرف : 59 ] .
أي : ما هو إلّا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله ، جاء بآيات من اللّه كما أتوا بأمثالها . إن أبرأ اللّه الأبرص وأحيا الموتى على يده ، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق بها البحر على يد موسى . وهو أعجب . وإن خلقه من غير أب ، فقد خلق آدم من غير أب ولا أم . وهو أغرب منه ، وفي الآية وجه آخر : أي مضت من قبله الرسل ، فهو يمضي مثلهم . فالجملة - على كل - منبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
أي : مبالغة في الصدق . ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى :
وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ
. والوصف بذلك مشعر بالإغراق في العبودية والقيام بمراسمها . فمن أين لهم أن يصفوها بما يباين وصفها ؟
تنبيه :
قال ابن كثير :
دلت الآية على أن مريم ليست بنبيّه . كما زعمه ابن حزم وغيره - ممن ذهب إلى نبوّة سارة أم إسحاق ونبوّة أم موسى ونبوّة أم عيسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
. وهذا معنى النبوّة . والذي عليه الجمهور أنّ اللّه لم يبعث نبيا إلّا من الرجال . قال اللّه تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
[ يوسف : 109 ] .
وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعريّ ، رحمه اللّه ، الإجماع على ذلك . انتهى .
فائدة ( في حقيقة الصديق والصدق ) :
قال العارف القاشانيّ قدس اللّه سرّه في ( لطائف الأعلام ) :
الصدّيق الكثير الصدق . كما يقال : سكّيت وصرّيع إذا كثر منه ذلك .
والصديق من الناس من كان كاملا في تصديقه لما جاءت به رسل اللّه علما وعملا ، قولا وفعلا وليس يعلو على مقام الصديقية إلّا مقام النبوّة . بحيث إن من تخطى مقام الصديقية حصل في مقام النبوّة . قال اللّه تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
.
[ مريم : 58 ] . الآية . فلم يجعل تعالى بين مرتبتي النبوة والصديقية مرتبة أخرى تتخللهما . ثم بيّن قدس سره صدق الأقوال ، وصدق الأفعال ، وصدق الأحوال .
( فالأول ) هو موافقة الضمير للنطق . قال الجنيد : حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك فيه إلّا الكذب . و ( صدق الأفعال ) هو الوفاء للّه بالعمل من غير مداهنة . قال المحاسبيّ : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب