تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الإتيان بما أمر به من التبليغ
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
مما يفصّل مساوئ الكفار ، ومن قتالهم ، والدعوة إلى الإسلام ، غير مراقب في التبليغ أحدا ، ولا خائف أن ينالك مكروه
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
أي : ما تؤمر به من تبليغ الجميع ، سترا لبعض مساوئهم
فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
أي : شيئا مما أرسلت به . لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض . فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا . كما أنّ من لم يؤمن ببعضها ، كان كمن لم يؤمن بكلّها . قال في ( الانتصاف ) : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس ، مستقرّا في الأفهام أنه عظيم شنيع ، ينقم على مرتكبه ، بل عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع ، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول - استغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء ، للصوقها بالجزاء في الأفهام . وإن كل من سمع عدم تبليغ الرسالة ، فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد . وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عامّا بقوله
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
ولم يقل : فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة . حتى يكون اللفظ متغايرا ، وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحد - أحسن رونقا وأظهر طلاوة ، من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء . وهذا الفصل كاللباب من علم البيان . وقوله تعالى
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
عدة منه تعالى بحفظه من لحوق ضرر بروحه الشريفة ، باعث له على الجدّ فيما أمر به من التبليغ وعدم الاكتراث بعداوتهم وكيدهم
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
تعليل لعصمته ، أي : لا يهديهم طريق الإساءة إليك ، فما عذرك في مراقبتهم ؟

تنبيهات :

الأول : لا خفاء في أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد بلّغ البلاغ التام ، وقام به أتمّ القيام ، وثبت في الشدائد وهو مطلوب ، وصبر على البأساء والضرّاء وهو مكروب ومحروب ، وقد لقى بمكة من قريش ما يشيب النواصي ، ويهدّ الصياصي . وهو ، مع الضعف ، يصابر صبر المستعلي ، ويثبت ثبات المستولي ، ثم انتصب لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته ، وأحدقوا بجنباته ، وصار بإئثانه في الأعداء محذورا ، وبالرعب منه منصورا ، حتى أصبح سراج الدين وهّاجا ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا . روى البخاريّ « 1 » ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت لمسروق :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 5 - سورة المائدة ، 7 - بابيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، حديث 1528 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 192 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود