تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
تأكيد لوجوب الامتثال ، وتمهيد لما يعقبه من قوله
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
أي : يصرفوك عنه . وإظهار الاسم الجليل لتأكيد الأمر بتهويل الخطب . كإعادة ( ما أنزل اللّه )
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي : عن الحكم المنزل وأرادوا غيره
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
يعني بذنب التولّي عن حكم اللّه ، وإرادة خلافه ، فوضع ( ببعض ذنوبهم ) موضع ذلك . وأراد : أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد . وأن هذا الذنب - مع عظمه - بعضها وواحد منها . . وهذا الإبهام لتعظيم التولي ، واستسرافهم في ارتكابه ، ونحو ( البعض ) في هذه الكلام ما في قول لبيد . ( أو يرتبط بعض النفوس حمامها . . ! ) أراد نفسه . وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام . كأنه قال : نفسا كبيرة ونفسا أيّ نفس . فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية ، فكذلك إذا صرح بالبعض . كذا في ( الكشاف ) . وفي ( الحواشي ) : ومثل هذا قوله تعالى :
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
[ البقرة : 253 ] . أراد محمدا صلى اللّه عليه وسلم ؛ وقيل : ذلك من الخصوص الذي أريد به العموم ؛ وقيل : أراد العذاب في الدنيا . وأما في الآخرة فإنه يعذب بجميع الذنوب . ولقد تلطف القائل :
وأقول بعض الناس عنك كناية * خوف الوشاة ، وأنت كلّ الناس
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
أي : المتمردون في الكفر معتدون فيه ؛ وهذا تسجيل عليهم بالمخالفة . يعني : إن التولّي عن حكم اللّه من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر . والجملة اعتراض تذييليّ مقرر لمضمون ما قبله . ونظيرها قوله تعالى :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ يوسف : 103 ] . وقوله تعالى :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ الأنعام : 116 ] . روى ابن جرير « 1 » وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد ، وابن صلوما ، وعبد اللّه بن صوريا ، وشاس بن قيس ؛ بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد ! إنك قد عرفت أنّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم . وأنا - إن اتبعناك - اتبعنا يهود ، ولم يخالفونا . وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدقك . فأبى ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيهم :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
. الآية .
هامش
( 1 ) الأثر رقم 12150 من التفسير .