تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
بينهما نسب . فيرث أحدهما الآخر . فنسخ ذلك في الأنفال فقال :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ
الآية . وروى ابن جرير عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر . فأنزل اللّه تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً
. يقول : إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا ، وصية . فهو لهم جائز من ثلث مال الميت . ذلك هو المعروف . وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقول :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ
، الآية . أقول : على ما ذكر ، تكون الآية محكمة في صدر الإسلام ، منسوخة بعده : وثمة وجه آخر فيها . وهو أنها ناسخة لميراث الحليف بتأويل آخر . وهو ما رواه البخاريّ « 1 » عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ
ورثة
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ
. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه ، للأخوّة التي آخى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بينهم . فلما نزلت
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ
نسخت : ثم قال :
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ
. من النصر والرفادة والنصيحة . وقد ذهب الميراث ويوصى له . وقد فهم بعضهم من هذا الأثر أن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل ، وحكم الحلف الماضي أيضا . وأنه لا توارث به . والصحيح ما أسلفناه من ثبوت التوارث بالحلف السابق على نزول الآية في ابتداء الإسلام ، كما حكاه غير واحد من السلف . وكما قال ابن عباس : كان المهاجريّ يرث الأنصاريّ دون ذوي رحمه حتى نسخ ذلك . وقد حاول الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) الجمع بين الروايات المتقدمة ورواية البخاريّ باحتمال أن يكون النسخ وقع مرتين : الأولى - حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة ، فنزلت :
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا
. فصاروا جميعا يرثون . ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 7 - بابوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ . . .الآية .