هذا ما نقله ابن كثير . وهو موافق لما نقله بعض مفسري الزيدية عن الهادوية والقاسمة ؛ أن الآية واردة في صلاة الخوف ، وأن المراد بالقصر في الآية قصر الصفة .
بمعنى أن المأموم يقصر ائتمامه فيأتمّ بركعة . ويصلي منفردا في ركعة . انتهى .
قال العلامة أبو السعود : إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته . وفي حق ما يتعلق به من الصلوات . وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر . فكل ما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم من القصر في حال الأمن ، وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف ، وبالضرب في المدة المعينة - بيان لإجمال الكتاب .
المسألة الثانية - إذا حمل القصر على قصر العدد ، وأن الرباعية تكون ركعتين ، فما حكم هذا القصر ؟ قلنا : في هذا مذاهب أربعة : الأول - أن القصر رخصة والإتمام أفضل . الثاني - أنه حتم ، الثالثة - أنه سنة غير حتم . الرابع - أنه مخير كما يخير في الكفارات . وأنهما ، أعني القصر والإتمام ، واجبان . وهاك بيان متعلق هذه المذاهب .
تعلق أهل القوم الأول بقوله تعالى :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
.
وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز ، لا فيما هو فرض . نحو :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا
[ البقرة : 230 ] و
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ البقرة : 236 ] .
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
[ البقرة : 229 ] . إن قيل : قد يستعمل ذلك في الواجب مثل :
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
[ البقرة : 178 ] . أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز . ومن جهة السنة ، ما
روي عن عائشة قالت : اعتمرت مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت : يا رسول اللّه ! بأبي وأمي أنت ! قصرت وأتممت . وصمت وأفطرت .
فقال : أحسنت ، يا عائشة ! وما عاب عليّ .
وكان عثمان يقصر ويتم .
ومن جهة المعنى ، أو المعقول والمفهوم من لفظ ( القصر ) إنما هو الرخصة لأجل مشقة المسافر . كما خص له في الإفطار . وفي الحديث : تلك صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته . تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا : حملنا لفظ الجناح على الفرض ، وإن كان مجازا ، لما روي عن ابن عباس « 1 » قال : فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين . وعن عمر « 2 » : صلاة الجمعة ركعتان وصلاة
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في : إقامة الصلاة والسنة فيها ، 73 - باب تقصير الصلاة في السفر ، حديث 1068 .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة في : إقامة الصلاة والسنة فيها ، 73 - باب تقصير الصلاة في السفر ، حديث 1064 .