تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
يأمر تعالى بعبادته وحده وبالإخلاص فيها بقوله
وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
كما قال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] . لأنه تعالى هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الأوقات والحالات . فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من الشرك . الجليّ والخفيّ . للنفس وشهواتها . وما يتوصل به إليها من المال والجاه . وهذه العبادة حق اللّه علينا . كما في الصحيحين « 1 » عن معاذ بن جبل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له : « يا معاذ ! أتدري ما حق اللّه على العباد وما حق العباد على اللّه ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا . وحق العباد على اللّه أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا » . ثم أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين ، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق اللّه عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها ، تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقول
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
[ لقمان : 14 ] .
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ الإسراء : 23 ] . أي أحسنوا بهما إحسانا يفي بحق تربيتهما . فإن شكرهما يدعو إلى شكر اللّه المقرب إليه . مع ما فيه من صلة أقرب الأقارب الموجب لوصلة اللّه ، وقطعها لقطعه . ثم عطف ، على الإحسان إليهما ، الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء ، بقوله
وَبِذِي الْقُرْبى
أي الأقارب . وقد جاء في الحديث الصحيح عن سلمان بن عامر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الصدقة على المسكين صدقة . وهي على ذي الرحم اثنتان : صلة وصدقة . رواه الإمام أحمد « 2 » والترمذي والنسائيّ والحاكم وابن ماجة . ثم قال تعالى
وَالْيَتامى
وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر اللّه بالإحسان إليهم والحنوّ عليهم ، تنزلا لرحمته عز وجل
وَالْمَساكِينِ
وهم المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجهاد ، 46 - باب اسم الفرس والحمار ، حديث 1371 ونصه : عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : كنت ردف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على حمار ، يقال له عفير ، فقال « يا معاذ ! هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله » ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال « فإن حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا . وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا » . فقلت : يا رسول الله ! أفلا أبشر به الناس ؟ قال « لا تبشرهم فيتكلوا » . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 48 - 51 . ( 2 ) أخرجه في المسند 4 / 214 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 103 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود