تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
في الفساد . قال القاشانيّ : لأن المحبة الحقيقية الخالصة لا تكون إلا بين الموحدين لكونها ظل الوحدة . فلا تكون في غيرهم لكونهم في عالم التضادّ . بل ربما تتألفهم الجنسية العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع والمنافع والملاذ واحتياجهم إلى التعاون فيها . والمنافع الدنيوية واللذات النفسانية سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها . بخلاف المحبة الأولى فإنها مستندة إلى أمر لا تغير فيه أصلا . قال الزمخشريّ : يقال : ألا في الأمر ، يألو : إذا قصر فيه . ثم استعمل معدّى إلى مفعولين . في قولهم : لا آلوك نصحا ، ولا آلوك جهدا ، على التضمين . والمعنى : لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه . والخبال الفساد
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ
أي عنتكم ، على أن ( ما ) مصدرية ، والعنت شدة الضرر والمشقة ، أي تمنّوا ما يهلككم
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي ظهر البغض الباطن حتى خرج من أفواههم لأنهم لا يتمالكون ، مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها ، أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين . وقد قيل : كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان
وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
مما ظهر . لأن ظهوره ليس عن روية واختيار بل فلتة . ومثله يكون قليلا
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ
الدالة على سوء اتخاذكم إياهم بطانة لتمتنعوا منها فتخلصوا في الدين وتوالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
أي من أهل العقل . أو تعقلون ما بيّن لكم فعملتم به . قال الزمخشريّ : فإن قلت : كيف موقع هذه الجمل ؟ قلت : يجوز أن يكون ( لا يألونكم ) صفة للبطانة . وكذلك ( قد بدت البغضاء ) . كأنه قيل : بطانة غير آليكم خبالا ، بادية بغضاؤهم . وأما ( قد بينا ) فكلام مبتدأ . وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة . ثم بيّن تعالى خطأهم في موالاتهم حيث يبذلونها لأهل البغضاء بقوله :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 119 ]

ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 )
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ
أي تخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم ولا يفعلون مثل ذلك بكم ، وقوله
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ
الواو للحال وهي منتصبة