غيره : أفضيت إليه بشقوري - بضم الشين وقد تفتح - أي أخبرته بأمري ، وأطلعته على ما أسره من غيره : وفي القاموس وشرحه : البطانة الصاحب للسر الذي يشاور في الأحوال ، والوليجة وهو الذي يختص بالولوج والاطلاع على باطن الأمر . وقال الزجاج : البطانة الدخلاء الذين ينبسط إليهم ويستبطنون ، يقال : فلان بطانة لفلان أي مداخل له موانس . وهؤلاء المنهي عنهم ، إما أهل الكتاب ، كما رواه ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس : أنهم اليهود . وذلك لأن السياق في السورة ، والسباق معهم . وقد كان بين الأنصار وبين مجاوريهم من اليهود ما هو معروف من سابق الرضاع والحلف . وإما المنافقون لقوله بعد :
وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا
[ آل عمران : 119 ] . . . إلخ . وهذه صفة المنافقين كقوله تعالى في سورة البقرة :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ
[ البقرة :
14 ] . . . إلخ - وربما كان يغتر بعض المؤمنين بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار . وإما جميع أصناف الكفار وقوفا مع عموم قوله تعالى :
مِنْ دُونِكُمْ
كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ
[ الممتحنة : 1 ] . ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن أبي حاتم أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة نصرانيا ، حافظ كاتب . فلو اتخذته كاتبا ؟ فقال : قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين .
قال الرازيّ : فقد جعل عمر رضي اللّه عنه هذه الآية دليلا على النهي من اتخاذ النصرانيّ بطانة .
وقال الحافظ ابن كثير : ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين ، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب .
وقال السيوطيّ في ( الإكليل ) : قال الكيا الهراسيّ : في الآية دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين - انتهى - .
ووجه ذلك ، كما قال القاشانيّ ، أن بطانة الرجل صفيه وخليصه الذي يبطنه ويطلع على أسراره ، ولا يمكن وجود مثل هذا الصديق إلا إذا اتحدا في المقصد واتفقا في الدين والصفة ، متحابين في اللّه لغرض . كما قيل في الأصدقاء : نفس واحدة في أبدان متفرقة . فإذا كان من غير أهل الإيمان ، فبأن يكون كاشحا أحرى .
ثم بيّن نفاقهم واستبطانهم العداوة بقوله :
لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
أي لا يقصرون بكم