تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
بسببه ، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور . وهذا كما قدر الشبع والريّ بالأكل والشرب ، وقدر الولد بالوطء ، وقدر حصول الزرع بالبذر ، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه . وكذلك قدّر دخول الجنة بالأعمال ، ودخول النار بالأعمال . وهذا القسم هو الحقّ ، وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له . وحينئذ ، فالدعاء ، من أقوى الأسباب . فإذا قدّر وقوع المدعوّ به بالدعاء ، لم يصح أن يقال : لا فائدة في الدعاء ، كما لا يقال : لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال ؛ وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب ! ولمّا كان الصحابة رضي اللّه عنهم أعلم الأمّة باللّه ورسوله وأفقههم في دينه ، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم . وكان عمر رضي اللّه عنه يستنصر به على عدوّه . وكان أعظم جنده ، وكان يقول للصحابة : لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء ! وكان يقول : إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن همّ الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء فإنّ الإجابة معه . . ! . فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة ، فإنّ اللّه سبحانه يقول :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] ،
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
. و في ( سنن ابن ماجة ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من لم يسأل اللّه يغضب عليه . وهذا يدلّ على أن رضاه في سؤاله وطاعته ، وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكلّ خير في رضاه ، كما أنّ كلّ بلاء ومصيبة في غضبه . . ! وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب ( الزهد ) أثرا : أنا اللّه لا إله إلّا أنا ، إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى . وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد ! وقد دلّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم - على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها - على أنّ التقرب إلى ربّ العالمين ، وطلب مرضاته ، والبرّ والإحسان إلى خلقه ، من أعظم الأسباب الجالبة لكلّ خير ؛ وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكلّ شرّ . . ! فما استجلبت نعم اللّه واستدفعت نقمة اللّه بمثل طاعته والتقرّب إليه والإحسان إلى خلقه ! وقد رتب اللّه سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة ، وحصول السرور في الدنيا والآخرة - في كتابه - على الأعمال ، ترتب الجزاء على الشرط ، والمعلول على العلّة ، والمسبب على السبب . وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع : فتارة يرتب الحكم الخبريّ الكونيّ والأمر الشرعيّ على الوصف المناسب له ، كقوله تعالى
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
[ الأعراف : 166 ] ، وقوله
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
[ الزخرف : 55 ] ، وقوله
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ