تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
ورد في الترمذيّ « 1 » عنه صلى اللّه عليه وسلم : ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيّ . فقيل : اللعان مثل الضرّاب للمبالغة ، والمعنى لا يعتاد اللعن حتى يكثر منه . ومن ثمرات الآية صحة التوبة من الكافر والعاصي بالردة وغيرها ، وذلك إجماع . إلّا توبة المرتد ففيها خلاف شاذ . فعند أكثر العلماء أن توبته مقبولة لهذا الآية وغيرها . وعند ابن حنبل لا تقبل توبته - رواه عنه في ( شرح الإبانة ) قيل وهو غلط . ولهذه الآية ولقوله تعالى في سورة النساء :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا
[ النساء : 137 ] . فأثبت إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان . ولو تكررت منه الردة صحت توبته أيضا عند جمهور العلماء ، لقوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] . وقال إسحاق بن راهويه : إذا ارتد في الدفعة الثالثة لم تقبل توبته بعد ذلك . أي لظاهر آية النساء - انتهى - قلت : وفي ( زاد المستقنع ) و ( شرحه ) : من فقه الحنابلة ما نصه : ولا تقبل توبة من تكررت ردته بل يقتل . لأن ذلك يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام - انتهى - وهو قريب من مذهب إسحاق . وحكى في ( فتح الباري ) مثله عن الليث وعن أبي إسحاق المروزيّ من أئمة الشافعية .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 90 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
أي الذين ضلوا سبيل الحق وأخطئوا منهاجه . وقد أشكل على كثير قوله تعالى
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها ، وقوله سبحانه :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
[ الشورى : 25 ] . وغير ذلك . فأجابوا : بأن المراد عند حضور الموت . قال الواحديّ في ( الوجيز ) : لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت ، وتلك التوبة لا تقبل - انتهى - ، أي كما قال تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
[ النساء : 18 ] ، الآية . وقيل عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم أي لا يتوبون . كقوله :
أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ *
[ البقرة : 6 ] . وإنما كنى بذلك تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة ، وقيل : لأنهم توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا . وبقي للمفسرين وجوه أخرى ، هي في
هامش
( 1 ) الترمذي في : البر والصلة ، 48 - باب ما جاء في اللعنة .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 348 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود