وإبداعه . ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد أن يكون عالما بها . إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به . فكأن اللّه تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض ، مع ما فيها من وجوه الإحكام والإتقان ، على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها .
قال الشعبيّ : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه ، بيّن أن له ملك السماوات والأرض ، فيجازي على الكتمان والإظهار . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن قوله تعالى :
وَإِنْ تُبْدُوا . .
، إلخ نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها .
وروى الإمام أحمد ومسلم « 1 » والنسائي وغيرهم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لما نزلت هذه الآية
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء .
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا » .
قال : فألقى اللّه الإيمان في قلوبهم فأنزل اللّه تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
( قال : قد فعلت )
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
( قال : قد فعلت )
وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا
( قال : قد فعلت ) . وفي مسند عبد اللّه بن حميد والطبراني : قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها . وصار الأمر إلى أن قضى اللّه تعالى أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل . أقول إنّ ما جاء من أن الآية هالت من هالت من الصحابة فإنما جاءه من عمومها ومن قوله
يُحاسِبْكُمْ
إذ حمله على حساب المؤاخذة ، فأما عمومها فنظمها ظاهر فيه . إلا أنها تتناول الشهادة وكتمانها أولا وبالذات . وغيرها ثانيا وبالعرض . وأما حمل الحساب على المؤاخذة والانتقام فإن كان عرفيا أو لغويا فالإخفاء حينئذ مراد به إخفاء متفق على حظره . كنفاق وريب في الدين . ولا إشكال في الآية . وقد يؤيده ذكر الإيمان بعده . ويكون ختام السورة بالإبداء والإخفاء بمثابة رد العجز على الصدر . لافتتاح السورة بالمؤمنين والكافرين وما لكل منهما . وإن لم يكن الحساب حقيقة فيما ذكر بل كان معناه إيقافه تعالى العبد على عمله خيرا أو شرا وإراءته عاقبته الحسنى أو السوءى ، وهو الذي يظهر ، فلا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 200 .