تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
كُتِبَ عَلَيْكُمْ
أي : فرض عليكم فرضا مؤكّدا بمثابة المكتوب الذي لا يمحى ولا يعتوره تغيير
إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
أي : قرب نزوله به بأن قرب مفارقته الحياة
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
أي : مالا يورث
الْوَصِيَّةُ
أي : المعهودة ، وهي وصيّة اللّه سبحانه وتعالى في إيتاء كل ذي حقّ حقّه ، على ما بينته تلك الآية
لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
أي : في إبلاغهم فرضهم المبين في آية
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
فإنه أجمع آية
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
تأكيد للكتابة بأنها أمر ثابت لا يسوغ التسامح فيه بوجه ما
فَمَنْ بَدَّلَهُ
أي : هذا المكتوب الحقّ
بَعْدَ ما سَمِعَهُ
أي : فعلم الحق المفروض فيه
فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي : فلا يخفى عليه شيء من حال الممتثل والمبدّل ، وقوله تعالى
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً
أي : ميلا عمّا فرضه تعالى
أَوْ إِثْماً
أي : بقطع من يستحقّ عن حقّه ، لما لا تخلو عنه كثير من الأنفس التي لم يدركها نور التهذيب
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ
أي : بأمر رضي به الكل
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أي : لأنّ الصلح جائز إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا ، واللّه أعلم . المنقول من الدفتر .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 183 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ
- فرض -
عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . واعلم أنّ مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه اللّه لعباده رحمة لهم ، وإحسانا إليهم ، وحميّة ، وجنّة . . ! فإن المقصود من الصيام : حبس النفس عن الشهوات ، وفطمها عن المألوفات ، وتعديل قوتها الشهوانية ، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها ، وقبول ما تزكو به ممّا فيه حياتها الأبدية . . ! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين . . ! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب ، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ، ويسكن كلّ عضو منها وكلّ قوّة عن جماحها ، وتلجم بلجامه ، فهو لجام المتقين ، وجنّة المجاهدين ، ورياضة الأبرار والمقرّبين . . ! وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال ، فإنّ الصائم لا يفعل شيئا ، إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل