تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
والعمل والهدى ، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره . وأيضا فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما لا يورثه سواه . وأيضا فإنه يورث من المهانة والسّفال والحقارة ما لا يورثه غيره . وأيضا فإنه يكسو العبد من حلّة المقت والبغضاء وازدراء الناس له ، واحتقارهم إياه ، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحسّ . فصلوات اللّه وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به . وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به . ولما اشتملت هذه الآية على الإذن في قضاء الشهوة ، نبّه على أن لا يكون المرء في قيدها بل في قيد الطاعة ، فقال تعالى :
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ
، أي : ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة لتنالوا به الجنة والكرامة ، كقوله :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
وَاتَّقُوا اللَّهَ
فلا تجترئوا على المعاصي
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
صائرون إليه فاستعدّوا للقائه
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
بالثواب . وإنما حذف لكونه كالمعلوم ، فصار كقوله :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً
[ الأحزاب : 47 ] .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 224 ]

وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 )
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
، ( العرضة ) بضم العين فعلة بمعنى مفعول - كالقبضة والغرفة - وهي اسم ما تعرضه دون الشيء . من عرض العود على الإناء . فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه ، تقول : فلان عرضة دون الخير . وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات - من صلة رحم ، أو إصلاح ذات بين ، أو إحسان إلى أحد - ثم يقول : أخاف اللّه أن أحنث في يميني . فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه . فقيل لهم :
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
، أي : حاجزا لما حلفتم عليه . وسمّي المحلف عليه يمينا لتلبّسه باليمين . كحديث : من حلف على يمين . الآتي ذكره . أي : على شيء مما يحلف عليه . وقوله :
أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا
، عطف بيان
لِأَيْمانِكُمْ
، أي : للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس - أفاده الزمخشريّ . وعلى هذا التأويل : الآية . كقوله تعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 128 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود