تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
وقال الراغب : واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسدّ غيره مسدّه . والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلّة المذكورة ، يعني : إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه ، وهي التي أجيز تناوله ما ذكر له للجوع .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لما أكله حال الضرورة
رَحِيمٌ
حيث رخّص لعباده في ذلك إبقاء عليهم . ثم أعاد تعالى وعيد كاتمي أحكامه - إثر ما ذكره من الأحكام - تحذيرا لهذه الأمة أن يسلكوا سبيل من عنوا به ، وهم أهل الكتاب ، فقال سبحانه :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 174 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 )
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
أي : من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبيّنات والهدى
وَيَشْتَرُونَ بِهِ
أي : يأخذون بدله
ثَمَناً قَلِيلًا
أي مما يتمتعون به من لذات العاجلة . وقلّله لحقارته في نفسه . ففيه إشعار بدناءة نفوسهم حيث رضيت بالقليل ، أو بالنسبة لما فوّتوه على أنفسهم من نعيم الآخرة الذي لا يحاط بوصفه
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
أي ما يستتبع النار ويستلزمها ، فكأنه عين النار ، وأكله أكلها ، و
فِي بُطُونِهِمْ
متعلق ب
يَأْكُلُونَ
وفائدته : تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقرّ المأكول . قال الراغب : أكل النار : تناول ما يؤدي إليها . وذكر الأكل لكونه المقصود الأول بتحصيل المال . وذكر
فِي بُطُونِهِمْ
تنبيها على شرههم وتقبيحا لتضييع أعظم النعم لأجل الطعم الذي هو أحسّ متناول من الدنيا . . !
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
قال الراغب : لم يعن نفي الكلام رأسا ، فقد قال :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[ الأعراف : 6 ] ، وقال :
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ
[ الكهف : 52 ] . وإنما أراد كلاما يقتضي جدوى ؛ ولهذا قال الحسن : معناه يغضب عليهم تنبيها أنهم بخلاف من قال فيهم
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
. وقيل : حقيقة ( كلّمته ) حملته على الكلام ، نحو حركته ، لأنّ
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 478 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود