تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وفي إرساله فيهم ومنهم نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف . ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير . فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القول أقرب
يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا
يقرأ عليكم القرآن الذي هو من أعظم النعم . لأنه معجزة باقية ، ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم ، ومجامع الأخلاق الحميدة ، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة
وَيُزَكِّيكُمْ
أي يطهركم من الشرك وأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ
وهو القرآن . وهذا ليس بتكرار . لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم
وَالْحِكْمَةَ
وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها . ولذلك قال الشافعيّ رضي الله عنه : الحكمة هي سنة الرسول . وقوله
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل ، وجهالة من الأمم ، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم . فبعث اللّه تعالى النبيّ بالحق . حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم . فصاروا أعمق الناس علما وأبرهم قلوبا وأقلهم تكلفا وأصدقهم لهجة . وذلك من أعظم أنواع النعم . قال تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
[ آل عمران : 164 ] الآية . وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
[ إبراهيم : 28 ] ، قال ابن عباس يعني ، بنعمة الله ، محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره . وقال :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 152 ]

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 )
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
قال ابن جرير : أي اذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه ، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم . وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح . وقال القاشانيّ : اذكروني بالإجابة والطاعة ، أذكركم بالمزيد والتوالي . وهي بمعنى ما قبله . وقوله
وَاشْكُرُوا لِي
قال ابن جرير : أي اشكروا لي فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته . وقوله
وَلا تَكْفُرُونِ
أي لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم . قال السمرقنديّ : أي اشكروا نعمتي : أن أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو