تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
الأولى للنفي ، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى . لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقي ، على أن الفعلين صفتان لذلول ، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية ، والمقصود : إنها مكرمة ليست مذللة بالحراثة ، ولا معدة للسقي في السانية .
مُسَلَّمَةٌ
، سلمها الله من العيوب ، أو معفاة من العلم ، سلمها أهلها منه ، أو مخلصة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان . من : سلم له كذا ، إذا خلص له
لا شِيَةَ فِيها
، أي لا لون فيها يخالف لون جلدها من بياض وسواد وحمرة ، فهي صفراء كلها ، وهي في الأصل مصدر : وشاه وشيا وشية ، إذا خلط بلونه لونا آخر . في الصحاح : الشية : كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره . والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله . والجمع : شيات . يقال : ثور أشيه ، كما يقال : فرس أبلق .
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
أي بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما عداها ، ولم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا . بخلاف المرتين الأوليين ، فإن ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة
فَذَبَحُوها
، الفاء فصيحة ، كما في
فَانْفَجَرَتْ
، أي فحصلوا البقرة فذبحوها
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
كاد من أفعال المقاربة ، وضع لدنوّ الخبر من الحصول ، والجملة حال من ضمير ذبحوا ، أي فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه . اعتراض تذييليّ . ومآله استثقال استقصائهم واستبطاء لهم ، وأنهم لفرط تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ينتهي خيط إسهابهم فيها . ( تنبيه ) قال الراغب : قال بعض الناس : في هذه الآية دلالة على نسخ الشيء قبل فعله . فإن في الأول أمروا بذبح بقرة غير معينة ، وكان لهم أن يذبحوا أي بقرة شاؤوا . وفي الثاني والثالث أمروا بذبح بقرة مخصوصة . فكأنهم نهوا عما كانوا أمروا به من قبل . وليس كذلك ، فإن الأول أمر مطلق ، والثاني والثالث كالبيان له ، لمّا راجعوا ، ولم يسقط عنهم ذبح البقرة . بل زيد في أوصافها وكشف عن المراد بالأمر الأول . وفي الآية دلالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 72 ]

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 )
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها
أي اختلفتم واختصمتم في شأنها ، إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر
وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
مظهر ، لا محالة ، ما كتمتم من أمر القتيل ، لا يتركه مكتوما .