تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
وآيات آيات ، لبيان التوحيد والفروض الدينية ، بحسب الوقائع ، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية ، ومنها ما هو في أحكام الجوارح ، ومنها ما يتقدم ، ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يبين المجمل ، ويميز الناسخ من المنسوخ ، ويعرّفه أصحابه ، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه ، كما علم من قوله تعالى :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
« 1 » أنها نعي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأمثال ذلك . ونقل ذلك عن الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين ، وتداول ذلك التابعون من بعدهم ، ونقل ذلك عنهم ، ولم يزل ذلك متناقلا بين الصدر الأول والسلف ، حتى صارت المعارف علوما ، ودونت الكتب ، فكتب الكثير من ذلك ، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين ، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي ، وأمثال ذلك من المفسرين ، فكتبوا فيه ما شاء اللّه أن يكتبوه من الآثار ؛ ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة ، وأحكام الإعراب ، والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك ، بعد أن كانت ملكات للعرب ، لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب . فتنوسي ذلك ، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان ، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن ، لأنه بلسان العرب ، وعلى منهاج بلاغتهم . وصار التفسير على صنفين : تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف ، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ ، وأسباب النزول ، ومقاصد الآي . وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين . وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا ، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين ، والمقبول والمردود . والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية . وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات ، وبدء الخليقة ، وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ، ومن تبع دينهم من النصارى . وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في التفسير ، سورةإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، بابوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. عن ابن عباس أن عمر رضي اللّه عنه سألهم عن قوله تعالى :إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ قالوا : فتح المدائن والقصور . قال : ما تقول يا ابن عباس ؟ قال : أجل أو مثل ضرب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، نعيت له نفسه .