تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
« والتحقيق أنّ الشارع لم ينقلها ، ولم يغيرها ، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة ، كما يستعمل نظائرها ، كقوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] ، فذكر حجّا خاصّا وهو حج البيت ، وكذلك قوله :
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ . . .
[ البقرة : 158 ] ، فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد ، بل لقصد مخصوص دلّ عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة . والشاعر إذا قال :
وأشهد من عوف حلولا كثيرة * يحجون سبّ الزّبرقان المزعفرا
كان متكلما باللغة ، وقد قيل : لفظه يحجّ سب الزبرقان المزعفرا . ومعلوم أنّ ذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام . فإذا قيل : الحج فرض عليك ، كانت لام العهد تبيّن أنه حجّ البيت . وكذلك الزكاة . هي اسم لما تزكو به النفس . وزكاة النفس زيادة خيرها ، وذهاب شرها . والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس ، كما قال تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
[ التوبة : 103 ] ، وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به ، قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
[ النور : 21 ] . وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله ، قال تعالى :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
[ فصلت : 6 - 7 ] . وهي عند المفسّرين التوحيد . وقد بيّن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مقدار الواجب وسماها الزكاة المفروضة . فصار لفظ الزكاة - إذا عرّف باللام - ينصرف إليها ، لأجل العهد . ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه ، وينسبون ذلك إلى الشارع ، مثل لفظ ( التيمّم ) فإنّ الله تعالى قال :
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
[ المائدة : 6 ] . فلفظ التيمم استعمل في معناه المعروف في اللغة ، فإنه أمر بتيمم الصعيد ، ثم أمر بمسح الوجوه والأيدي منه ، فصار لفظ التيمم ، في عرف الفقهاء ، يدخل في هذا المسح ، وليس هو لغة الشارع ، بل الشارع فرّق بين تيمّم الصعيد وبين المسح الذي يكون بعده . ولفظ ( الإيمان ) أمر به مقيدا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله . وكذلك لفظ ( الإسلام ) بالاستسلام لله رب العالمين . وكذلك لفظ ( الكفر ) مقيدا . ولكن لفظ ( النفاق ) قد قيل : إنه لم تكن العرب تكلمت به ، لكنه مأخوذ من كلامهم . فإنّ ( نفق ) يشبه خرج ، ومنه : نفقت الدابة إذا ماتت ، ومنه نافق اليربوع . والنفق ف