تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
المهتدين ، ويشرق في قلبه نور الإيقان ، وتطلع في بصيرته شمس العرفان ، ويتبوأ في الدنيا والآخرة مكانا عليا ، وتدرج النبوة بين جنبيه وإن لم يكن نبيا . وإني كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون ، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون ، فأكببت على النظر فيه ، وشغفت بتدبر لآلئ عقوده ودراريه . وتصفحت ما قدر لي من تفاسير السابقين ، وتعرفت ، حين درست ، ما تخللها من الغث والسمين . ورأيت كلّا ، بقدر وسعه ، حام حول مقاصده . وبمقدار طاقته ، جال في ميدان دلائله وشواهده . وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرا من عمري . ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرا من دهري . أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر . قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر . وأكون بخدمته موسوما ، وفي حملته منظوما . فشحذت كليل العزم ، وأيقظت نائم الهم . واستخرت اللّه تعالى في تقرير قواعده ، وتفسير مقاصده . في كتاب اسمه بعون اللّه الجليل : « محاسن التأويل » ، أودعه ما صفا من التحقيقات ، وأوشّحه بمباحث هي المهمات . وأوضح فيه خزائن الأسرار . وأنقد فيه نتائج الأفكار ، وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر . وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر . وزوائد استنبطتها بفكري القاصر . مما قادني الدليل إليه . وقوي اعتمادي عليه . وسيحمد السابح في لججه ، والسانح في حججه ، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان ، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان ، وبدائعه الباهرة للأذهان ، فإنها لباب اللباب ، ومهتدى أولي الألباب . ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات ، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات . اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات ، فهنالك تصوّب أسنّة البراهين نحو نحور الشبهات . ولا يخفى أن من القضايا المسلمة ، والمقدمات الضرورية ، أنه مهما تأنق الخبير في تحبير دقائقه السميّة ، فما هو إلا كالشرح لشذرة من معانيه الظاهرة ، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة ، إذ لا قدرة لأحد على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب ، وما تضمنه من لباب اللباب ، لأنه منطو على أسرار مصونة ، وجواهر حكم مكنونة ؛ لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه مولاه ، ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقى عن خيرته ومصطفاه .