وشعر ، وافتراء ، وإنما يعلمه بشر ، وأساطير الأولين . بل كان أولى ما يقولون : إن هذا لا يعقل ، أو هو مخالف للعقول أو ما أشبه ذلك . فلما لم يكن من ذلك شيء ، دلّ على أنهم عقلوا ما فيه وعرفوا جريانه على مقتضى العقول . إلا أنهم أبوا من اتباعه لأمور أخر ، حتى كان من أمرهم ما كان ، ولم يعترضه أحد بهذا المدّعى . فكان قاطعا في نفيه عنه .
والخامس : إن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة ، وتنقاد لها طائعة أو كارهة . ولا كلام في عناد معاند ولا في تجاهل متعام . هو المعنى بكونها جارية على مقتضى العقول ، لا أن العقول حاكمة عليها ولا محسّنة فيها ولا مقبحة . وبسط هذا الوجه مذكور في كتاب المقاصد في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام . فإن قيل : هذه دعوى عريضة يصده عن القول بها غير ما وجه :
أحدها : أن في القرآن ما لا يعقل معناه أصلا . كفواتح السور . فإن الناس قالوا :
إن في القرآن ما يعرفه الجمهور ، وفيه ما لا يعرفه إلا العرب ، وفيه ما لا يعرفه إلا العلماء بالشريعة وفيه ما لا يعرفه إلا الله . فأين جريان هذا القسم على مقتضى العقول ؟
والثاني : أن في الشريعة متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس أو لا يعلمها إلا الله تعالى . كالمتشابهات الفروعية ، وكالمتشابهات الأصولية . ولا معنى لاشتباهها إلا أنها تتشابه على العقول فلا تفهمها أصلا . ولا يفهمها إلا القليل . والمعظم مصدودون عن فهمها . فكيف يطلق القول بجريانها على فهم العقول .
والثالث : أن فيها أشياء اختلفت على العقول حتى تفرّق الناس بها فرقا وتحزّبوا أحزابا . وصار
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[ الروم : 32 ] فقالوا فيها أقوالا كلّ على مقدار عقله ودينه . فمنهم من غلب عليه هواه حتى أدّاه ذلك إلى الهلكة .
كنصارى نجران حين اتبعوا ، في القول بالتثليث ، قول الله تعالى : فعلنا ، وقضينا ، وخلقنا . ثم بعدهم من أهل الانتماء إلى الإسلام الطاعنين على الشريعة بالتناقض والاختلاف . ثم يليهم سائر الفرق الذين أخبر بهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . وكل ذلك ناشئ عن خطاب يزلّ به العقل . كما هو الواقع . فلو كانت الأدلة جارية على تعقلات العقول ، لما وقع في الاعتياد هذا الاختلاف . فلما وقع فهم أنه من جهة ما له خروج عن المعقول ، ولو بوجه ما .
فالجواب عن الأول : إن فواتح السور ، للناس في تفسيرها مقال . بناء على أنه