التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة ، فعلى كل تقدير ، لا بد في كل قول ، يجزم به أو يحتمل ، من شاهد يشهد لأصله . وإلا كان باطلا . ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم ، والله أعلم .
فصل في أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول
قال الشاطبيّ : الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول ، والدليل على ذلك من وجوه :
أحدها : أنها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعيّ ولا غيره ، لكنها أدلة باتفاق العقلاء ، فدلّ أنها جارية على قضايا العقول . وبيان ذلك أن الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين ، حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت أحكام التكليف ، ولو نافتها لم تتلقها ، فضلا أن تعمل بمقتضاها . وهذا معنى كونها خارجة عن حكم الأدلة . ويستوي ، في هذا ، الأدلة المنصوبة على الأحكام الإلهية وعلى الأحكام التكليفية .
والثاني : أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفا بما لا يطاق . وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل ، ولا يتصوره . بل يتصور خلافه ويصدقه . فإذا كان كذلك امتنع على العقل التصديق ، ضرورة . وقد فرضنا ورود التكليف المنافي التصديق ، وهو معنى تكليف ما لا يطاق . وهو باطل حسبما هو مذكور في الأصول .
والثالث : أن مورد التكليف هو العقل . وذلك ثابت قطعا بالاستقراء التام .
حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا . وعدّ فاقده كالبهيمة المهملة . وهذا واضح في اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف . فلو جاءت على خلاف ما يقتضيه لكان لزوم التكليف على العاقل أشد من لزومه على المعتوه والصبيّ والنائم . إذ لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق . بخلاف العاقل الذي يأتيه ما لا يمكن تصديقه به .
ولما كان التكليف ساقطا عن هؤلاء ، لزم أن يكون ساقطا عن العقلاء أيضا . وذلك مناف لوضع الشريعة . فكان ما يؤدي إليه باطلا .
والرابع : أنه لو كان كذلك لكان الكفار أولى من ردّ الشريعة به . لأنهم كانوا في غاية الحرص على ردّ ما جاء به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . حتى كانوا يفترون عليه وعليها . فتارة يقولون ساحر . وتارة مجنون . وتارة يكذبونه . كما كانوا يقولون في القرآن : سحر ،