من الناس فهذا هو الذي كان الناس يفعلونه قبل الاسلام ونهى عنه النبي ( ص ) ونص الحديث الذي أشار اليه السائل « انه ليس بدواء ولكنه داء » رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وسببه ان طارق بن سويد الجعفي سأل النبي عن الخمر وكان يصنعها فنهاه عنها ، فقال إنما اصنعها للدواء . فقاله . وقوله « ولكنه داء » هو الحق وعليه اجماع الأطباء ، فان المادة المسكرة من الخمر سم تتولد منه امراض كثيرة يموت بها في كل عام ألوف كثيرة ، والسموم قد تدخل في تركيب الأدوية ، ولكن الذين يشربون الخمر ولو بقصد التداوي بها لا يلبثون أن يؤثر في أعصابهم سمها ، فتصير مطلوبة عندهم لذاتها ، أي لا لمجرد التداوي بها ، فيتضررون بسمها ، فلا يغترن مسلم بأمر أحد من الأطباء بالتداوي بها لمثل ما يصفونها له عادة ، واللّه الموفق اه
هذا ما أجبنا به عن ذلك السؤال ونزيد في إيضاحه بالقواعد الشرعية واعتبار القياس فنقول : ان المقدار المسكر من الخمر محرم لذاته أي لما فيه من الضرر والمفاسد التي بينا أنواعها في تفسير آية البقرة - وما دون ذلك محرم لسد الذريعة كما بيناه في تفسير هذه الآيات . والقاعدة ان ما حرم لذاته يباح للضرورة ان كان مما يضطر اليه كأكل الميتة ولحم الخنزير ، ومنه شرب الخمر كما تقدم في الفتوى آنفا ( وليس منه مثل الزنا كما لا يخفى ) ويعبرون عن هذه القاعدة بقولهم « الضرورات تبيح المحظورات » وإذا وصل التداوي بالخمر إلى حد الاضطرار اليه بشهادة الثقة من الأطباء يجب ان يراعى فيه قاعدة « الضرورات تقدر بقدرها » فلا يجوز الزيادة على ما يقوله الطبيب حتى إذا حدده بالنقط امتنع زيادة نقطة واحدة . وأما المحرم لسدّ الذريعة فقد يباح للحاجة كرؤية الطبيب لعورات الرجال والنساء لأجل التداوي ، فالتداوي بالخمر على هذا جائز مطلقا أو إذا لم يوجد غيره يقوم مقامه ، وعده بعضهم كتداوي العرنيين بأبوال الإبل بناء على أن علة المنع أن كلامنهما نجس عند القائلين بذلك من الفقهاء كالشافعية . وظاهر حديث طارق بن سويد ان الخمر لا يجوز ان يكون دواء فيكون مستثنى من القاعدة ولا قياس مع النص . هذا إذا كان التداوي بالخمر مباشرة لغير اضطرار ، أما دخول نقط من الخمر في علاج مركب تكون أجزاء الخمر فيه مغلوبة غير ظاهرة ولا من شأنها أن تسكر فلا يدخل في ذلك فهو كالقليل من الحرير في الثوب
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 90
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٩٠