ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
أي ذلكم المتصف بما ذكر من مقتضى القدرة الكاملة والحكمة البالغة هو اللّه خالق كل شيء فكيف تصرفون عن عبادته وحده ، وتشركون به من لا يقدر على فلق نواة ولا حبة ، ولا إحداث سنبلة ولا نخلة ؟
* * *
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً
جمع تعالى في هذه الآية المنزلة بين ثلاث آيات سماوية ، بعد الجمع فيما قبلها بين ثلاث آيات أرضية ، ( فالآية الأولى ) فلق الاصباح ، والمراد به الصبح وأصله مصدر « أصبح الرجل » إذا دخل في وقت الصباح ومن الشواهد عليه قول امرئ القيس :
ألا أيها الليل الطويل الا انجلي * بصبح وما الاصباح منك بأمثل
وقرأ الحسن بفتح الهمزة وأنشد قول الشاعر :
أفتى رياحا وبني رياح * تناسخ الامساء والاصباح
بالكسر والفتح - مصدرين ، وجمع مساء وصبح ، وفلق الاصباح عبارة عن فلق ظلمة الليل وشقها بعمود الصبح الذي يبدو في جهة مطلع الشمس من الأفق مستطيلا ، فلا يعتد به حتى يصير مستطيرا ، تتفرى الظلمة عنه من أمامه وعن جانبيه إلى أن تنقشع وتزول ، ولذلك سمي فجرا فان الفجر بمعنى الفلق كما تقدم آنفا . واللّه تعالى هو فالق الاصباح بنور الشمس الذي يتقدمها ، إذ هو خالقها ومقدر مواقع الأرض منها في سيرها ، كما نبينه في الآية الثالثة من آيات هذه الآية فإنها معللة للآيتين قبلها ، والمراد من التذكير بالآية الأولى التأمل في صنع اللّه بتفري الليل إذا عسعس ، عن صبحه إذا تنفس ، وإفاضة النور الذي هو مظهر جمال الوجود ، ومبدأ زمن تقلب الاحياء في القيام والقعود ، والركوع والسجود ، ومضيهم في تجلي النهار ، إلى ما يسروا له من الاعمال ، وما للّه في ذلك من نعم وحكم وأسرار . ويدل على ذلك ذكر لآية الثانية بفائدتها ، وهي آية الليل يجعله اللّه سكنا ، فهذا المذكور ، يدل على مقابله المحذوف وهو جعل النهار وقتا للحركة بالسعي للمعاش ، والعمل الصالح للمعاد ، وقد صرح بنوعي الفائدتين في آيات كقوله تعالى
( 28 : 73 وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
فهذه الآية على ايجازها جامعة للفوائد الدنيوية والدينية ، وفيها « تفسير القرآن الحكيم » « 80 » « الجزء السابع »