ما في الدنيا بمقتضى سننه المقدّرة ، وشريعته المقررة ، فلا تملك يومئذ نفس ما مهما تكن مكرّمة ، لنفس ما مهما تكن قريبة أو مقرّبة ، شيئا ما من خير أو شر ، أو نفع أو ضر ، فكيف يدعو غيره من دونه ، من هداه إلى هذه الحقائق من خلقه ، فيرد على عقبيه ، ويرجع إلى شر حاليه ؟
والصور في اللغة القرن واستشهد له في اللسان بقول الزاجر :
لقد نطحناهم غداة الجمعين * نطحا شديدا لا كنطح الصورين
وقد ثقب الناس قرون الوعول والظباء وغيرها فجعلوا منها أبواقا ينفخون فيها فيكون لها صوت شديد يدعى به الناس إلى الاجتماع ، ويعزفون به كغيره من آلات السماع . وقد ورد ذكره في سفر الأيام الأول من كتب العهد العتيق قال ( 5 : 28 فكان جميع إسرائيل يصعدون تابوت عهد الرب بهتاف وبصوت الأصوار والأبواق والصنوج يصوتون بالرباب والعيدان ) وقال بعض المفسرين ان الصور جمع صورة كبسر وبسرة وصوف وصوفة ، وقيل في سور المدنية أيضا انه جمع سورة . ونقلوا هذا التفسير عن أبي عبيدة من رواة اللغة . وقد رده جمهور المفسرين بأنه لا يظهر معناه في قوله تعالى
( 36 : 65 وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ )
وهذه هي النفخة الأولى ولا يظهر معنى لكونها في صور المخلوقات وانما يظهر ذلك في النفخة الأخرى التي يبعث اللّه بها العباد وهي قوله في تتمة الآية
( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ )
وبأنه مخالف لما ورد في الاخبار والآثار من تفسيره بالقرن والبوق أو بما يشبههما . وفي بعض الآثار الإسرائيلية انه مستقر أرواح الخلق فإذا نفخ فيه نفخة البعث تصيب النفخة تلك الأرواح فتذهب إلى أجسادها ، بعد أن يكون اللّه قد أعادها كما يدأها . ورده اللغويون أيضا بأن المقيس في كلام العرب ان ما كان على وزن فعلة بضم الفاء يجمع على فعل بضم الفاء وفتح العين كغرفة وغرف وصورة وصور ، وقد أجمع القراء على فتح الواو في قوله تعالى
( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) *
وأما ما جاء من جمعه بضم فسكون كبسر وصوف فهو خاص بما سبق استعمال الجمع فيه على استعمال الواحد . وروى الأزهري هذا الرد بسنده عن أبي الهيثم ، ويراجع في مادتي سور وصور من لسان العرب فقد أطال الكلام في المسألة فيهما