فيها وجهان ( أحدهما ) أنها للتعليل ، والتقدير وأمرنا بهذا الهدى لأجل ان نسلم قلوبنا ونوجهها لرب العالمين وحده بالاذعان والخضوع لدينه ، والاخلاص في عبادته ، إذ لا يستحق العبادة من العباد الا ربهم الذي خلقهم وغذاهم بنعمه ، ( وثانيهما ) أنها للمصدرية أي وأمرنا بأن نسلم للّه رب العالمين . وقد روي القول بتأويل الفعل بالمصدر هنا وفي مثل
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
-
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ
في الدين
مِنْ حَرَجٍ
الخ عن الخليل وسيبويه ومن تابعهما ، وصرح الكسائي والفراء بأن اللام تكون حرفا مصدريا بعد الفعل من الامر والإرادة خاصة . وهذا الوجه أوجه وأظهر
* * *
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ
أي أمرنا بأن نسلم لرب العالمين ، وبأن أقيموا واتقوه ، أي قيل لنا ذلك ، وقدر بعضهم : أمرنا بالاسلام وبإقامة الصلاة والتقوى ، وإقامة الصلاة الاتيان بها على الوجه الذي شرعت لأجله وهو كونها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتزكي النفس بمناجاة اللّه وذكره
« وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ، »
ولم يكن شرع عند نزول السورة زكاة ولا صيام ولا حج ، والتقوى اتقاء ما يترتب على مخالفة دين اللّه وشرعه وتنكب سننه في خلقه من ضرر وفساد ، فهي أوسع معنى من تفسيرها بامتثال الامر واجتناب النهي .
( وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )
أي تجمعون وتساقون إلى لقائه يوم القيامة دون غيره فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم عليها ، وإذا كان الحشر اليه وحده والجزاء بيده وحده ، فمن الجنون ان يعبد غيره ويدعى ، أو يخاف أو يرجى ،
* * *
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أي خلقهما بالامر الثابت المتحقق وهو آياته القائمة بالسنن المطردة ، المشتملة على الحكمة البالغة ، الدالة على وجوده وصفاته الكاملة ، فلم يخلقهما باطلا ولا عبثا ، فإذا ألا يترك الناس سدى ، بل يجزي كل نفس بما تسعى .
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ
أي وقوله هو الحق يوم يقول للشيء كن فيكون ، وهو وقت الايجاد والتكوين ، فلا مردّ لامره التكويني ولا تخلف ، فكذلك يجب الاسلام لامره التكليفي بلا حرج في النفس ولا تكلف ، لان الامر حق ولخلق حق
( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ )
وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
ويبعث من في القبور ، فإذا كان لغيره ملك