تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
آله وإزالة أوهام الناس فيها ، ومن بيان أمر الجزاء في الآخرة وكون الامر فيه للّه تعالى وحده ، على الوجه الذي يزيد عقيدة التوحيد تقريرا وتأكيدا ، وبيانا وتفصيلا . وذهب الرازي إلى أن هذا من بقية الكلام على قوله ( 38 وقالوا
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) *
وما قلناه أظهر . وقد بدئت الآية الأولى بالامر بالقول على ما علمنا من أسلوب هذه السورة في بيان المسائل التي يتعلق بها التبليغ فقال عز وجل * * *
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ : عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
أي قل أيها الرسول الذي لم يبعث الا كما بعث غيره من الرسل مبشرا من أجاب دعوته بحسن الثواب ، ومنذرا من ردها سوء العقاب ، لهؤلاء الكفار المشاغبين لك بغير علم يميزون به بين شؤون الألوهية وحقيقة الرسالة ، الذين يقترحون عليك من الآيات الكونية ما يعلمون ان البشر لا يقدرون عليه ، لأنهم - وان قالوه تعجيزا - يتوهمون ان الرجل من البشر لا يكون رسولا الا أن يخرج من حقيقة البشرية ويصير إلها قادرا على ما لا يقدر عليه البشر وعالما لكل ما يعجز عن علمه البشر ، وإن لم يكن من موضوع الرسالة التي عهد اليه أمر تبليغها ، أو يصير ملكا من الملائكة في متعلق قدرته ومتناول علمه ، لان أمر الرسالة في خيالهم ينافي البشرية التي حقرها في أنفسهم جهلهم وسوء حالهم وفساد أعمالهم - قل لهؤلاء : لا أقول لكم عندي خزائن اللّه أتصرف بما خزنه وحفظه فيها من أرزاق العباد وشؤون المخلوقات ، فالخزائن جمع خزينة أو خزانة وهي ما يحزن فيها الشيء من يريد حفظه ومنع غيره من التصرف فيه ،
( وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
يتصرف فيها كما يشاء ، ولا يقدر أحد من خلقه على التصرف في شيء منها الا ما أعطاه تعالى إياه ومكنه من التصرف فيه . والمتصرف بما يعطى من الخزانة لا يكون متصرفا في الخزانة نفسها . فالمستخدمون عند الملك أو الرجل الغني يعطون أجورهم من خزانته فيتصرفون فيها دون الخزانة ، وجميع الاحياء العاملين يتصرفون بما يعطيهم اللّه تعالى من خزائن الموجودات ، كل بحسب ما أوتي من الاستعداد ، في دائرة ارتباط الأسباب بالمسببات ، ولا يقدر أحد منهم ان يتجاوز إلى ذلك ما لم يؤته ولم يصل اليه استعداده ، فالتصرف المطلق في كل شيء إنما هو للّه القادر على كل شيء ، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول - المبلغ عن
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 421 | الشيخ محمد رشيد رضا