بالمقام كقوله تعالى
( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى )
فجيء بالجوع مع العري وبالظمإ مع الضحو وكان الظاهر خلافه ، ومنه قول امرئ القيس
كأني لم أركب جوادا للذة * ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم أسأل الزق الرويّ ولم أقل * لخيلي كري كرة بعد اجفال
وايضاحه أنه في الآية قرن الجوع الذي هو خلو الباطن بالعري الذي هو خلو الظاهر ، والظمأ الذي فيه حرارة الباطن بالضحى الذي فيه حرارة الظاهر ، وكذلك قرن امرؤ القيس علوه على الجواد بعلوه على الكاعب لأنهما لذتان في الاستعلاء ، وبذل المال في شراء الراح ، ببذل الأنفس في الكفاح ، لان في الأول سرور الطرب وفي الثاني سرور الظفر ، وكذا هنا أوثر الضر لمناسبته ما قبله من الترهيب ، فان انتقام العظيم عظيم ، ثم لما ذكر الاحسان أتى بما يعم أنواعه ، والآية من قبيل اللف والنشر ، فان مس الضر ناظر إلى قوله تعالى
( إِنِّي أَخافُ )
الخ ومس الخير ناظر إلى قوله سبحانه
( مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ )
» الخ
* * *
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
فسر أهل اللغة القهر بالغلبة والاخذ من فوق وبالاذلال ، وقال الراغب القهر الغلبة والتذليل معا ويستعمل في كل واحد منهما . وقد جاءت هذه الآية بعد إثبات كمال القدرة للّه تعالى فيما قبلها تثبت له جل وعلا كمال السلطان والتسخير لجميع عباده والاستعلاء عليهم مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الأمور ، ليرشدنا إلى أن من اتخذ منهم وليا من دونه ، فقد ضل ضلالا بعيدا لاشراكه ومقارنته بين الرب القاهر العلي الكبير الحكيم الخبير ، وبين العبد المربوب المقهور المذلل المسخر الذي لا حول له ولا قوة الا باللّه العلي العظيم . فإذا كان هكذا شأن الرب وهذه صفاته فلا ينبغي للمؤمن به ان يتخذ وليا من عباده المقهورين تحت سلطان عزته ، المذللين لسننه التي اقتضتها حكمته وعلمه بتدبير الامر في خلقه ، لان أفضل المخلوقات وأكملهم مساوون لغيرهم في العبودية للّه والذل له ، وكونهم لا حول لهم ولا قوة بأنفسهم ، ولم يجعل من خصائص أحد منهم ان يشاركه في التصرف في خلقه ولا في كونه يدعى معه ولا وحده لكشف ضر ولا جلب نفع
( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً
*
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ