* * *
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ
فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
المس أعم من اللمس في الاستعمال . يقال مسه السوء والكبر والعذاب والتعب والضراء والضر والخير ، أي أصابه ذلك ونزل به ، ويقال مسه غيره بذلك أي أصابه به . وقد وردت هذه المعاني كلها في القرآن ، ولكن المس بالخير ذكر هنا في مقابل المس بالضر مسندا إلى اللّه تعالى ، وفي سورة المعارج في مقابل المس بالشر غير مسند إلى اللّه تعالى ، والضر بالضم والفتح - لغتان أو الضر بالفتح مصدر وبالضم اسم مصدر ، والاستعمال فيه أن يضم إذا ذكر وحده ويفتح إذا ذكر مع النفع . وهو ما يسوء الانسان في نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله أو غير ذلك من شؤونه . ويقابله النفع . وقال الرازي : الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها ، والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي اليهما أو إلى أحدهما ، والخير اسم للقدر المشترك من دفع الضر وحصول الخير . وقال الراغب الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلا والعدل والفضل والشيء النافع وضده الشر . وأقول :
ان الخير ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبلة ، فمن الضار المكروه الذي يسوء ما يكون خيرا بحسن أثره أو عاقبته ، والشر ما لا مصلحة ولا منفعة فيه البتة أو ما كان ما ضره أكبر من نفعه . قال تعالى
( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
- وقال في النساء -
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
- وقال -
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ )
والشر لا يسند إلى اللّه تعالى ولكنه مما يبتلي به الناس ويختبرهم . وقوله تعالى
( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ )
ليس من هذا الاسناد في شيء . وفي الحديث « الخير كله بيديك والشر ليس إليك »
ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة تحري الحقائق بأوجز العبارات وأجمعها لمحاسن الكلام مع مخالفة بعضها في بادي الرأي لما هو الأصل في التعبير كالمقابلة هنا بين الضر والخير ، وانما مقابل الضر النفع ومقابل الخير الشر ، فنكتة المقابلة ان الضر