لا يزال الكلام في أهل الكتاب عامة ، وكان أول هذا السياق أنهم يفرقون بين اللّه ورسله فيدعون الايمان ببعضهم ويصرحون بالكفر ببعض ، وان هذا عين الكفر ، وإيمان يتبع فيه الهوى ليس من معرفة اللّه ومعنى رسالته في شيء ، ثم ذكر بعده شيء من عناد اليهود خاصة وإعناتهم وسؤالهم النبي ( ص ) ان ينزل عليهم كتابا من السماء ، وبين له تعالى انهم شاغبوا موسى ( ص ) من قبله وسألوه ما هو أكبر من ذلك ، وكفروا بعيسى وبهتوا أمه ، وحاولوا قتله وصلبه ، فليس كفرهم وعنادهم ناشئا عن عدم وضوح الدليل ، بل عن عناد أصيل وهوى دخيل ، كأنه يقول له انه لولا ذلك لبادروا إلى الايمان بك أيها الرسول ، ولما شاغبوك بهذا القال والقيل ، لان أمر نبوتك ورسالتك ، أوضح دليلا وأقوم قيلا مما يدعون الايمان بمثله ممن قبلك . ولهذا ناسب أن يختم الكلام في محاجة اليهود ويمهد للكلام في محاجة النصارى ببيان ان الوحي جنس واحد ، وانه لو كان إيمانهم بمن يدعون الايمان بهم من الرسل السابقين صحيحا مبنيا على الفهم والبصيرة لما كفروا بمحمد ( ص ) فقال عز وجل
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
أي إنا بمالنا من العظمة والإرادة المطلقة اللائقة بمقام الألوهية ، والرحمة الواسعة التي هي شأن الربوبية ، قد أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن ، كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده الذين يدعي الايمان بهم هؤلاء الناس ، ولم ننزل على أحد من أممهم ولا منهم كتابا من السماء ، كما سألوك للتعجيز والعناد ، لان الوحي ضرب من الإعلام السريع الخفي ، وما هو بالامر المشاهد الحسي ، بل هو أمر روحي ، يعدّ اللّه له النبي ،
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا )
الوحي في اللغة يطلق على الإشارة والايماء ، ومنه قوله تعالى
( 3 : 10 فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا )
وعلى الالهام الذي يقع في النفس وهو أخفى من الايماء ومنه قوله عز وجل
( 27 : 7 وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى )
ويظهر ان هذا بعناية خاصة من اللّه تعالى ، وعلى ما يكون غريزية دائمة ومنه قوله تعالى
( 16 : 68 وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
وعلى الاعلام في الخفاء وهو أن تعلم انسانا بأمر تخفيه عن غيره ،