بناء على أن قوله : سماعون الخ جملة مستأنفة
واللام في قوله
« لِلْكَذِبِ »
فيها وجهان ( أحدهما ) انها للتقوية والمعنى انهم يسمعون الكذب كثيرا سماع قبول أو يقبلونه . والمراد بالكذب ما يقوله رؤساؤهم في النبي ( ص ) وفي احكام الدين التي يتلاعبون فيها بأهوائهم ( وثانيها ) انها للتعليل .
والمعنى انهم كثيرو الاستماع لكلام الرسول ( ص ) والاخبار عنه لأجل الكذب عليه بالتحريف واستنباط الشبهات ، فهم عيون وجواسيس بين المسلمين يبلغون رؤساءهم وسائر أعداء الاسلام كل ما يقفون عليه ، لأجل ان يكون ما يفترون عليه من الكذب مقبولا ، لأنه مبني على وقائع ومسائل واقعة يزيدون في روايتها وينقصون ، ويحرفون منها ما يحرفون ، ومن يكذب عليك وهو لا يعرف من أمرك شيئا لا يستطيع ان يجعل كذبه مرجو القبول كمن يعرف ، بل يظهر اختلاقه لأول وهلة . ولهذا نرى الذين يفترون الكذب على الاسلام في هذا الزمان يقرأون بعض كتب المسلمين ليبنوا أكاذيبهم على مسائل معروفة يحرفون الكلم فيها عن مواضعه كما سيأتي في وصف هؤلاء ، كالذي افتروه في قصة زيد وزينب وفي غيرها من الوقائع والاخبار . ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى
« سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ »
أي لأجل قوم آخرين من رؤسائهم وذوي الكيد فيهم - أو من أعدائك مطلقا - لم يأتوك ليسمعوا منك بآذانهم إما كبرا وتمردا ، وإما خوفا على أنفسهم لأنهم معلنون للعداوة .
اخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد اللّه في قوله
« وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ »
قال يهود المدينة
« سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ »
قال يهود فدك
« يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ »
قال يهود فدك ، يقولون ليهود المدينة
« إِنْ أُوتِيتُمْ هذا »
الجلد
« فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا »
الرجم .
واما قوله تعالى
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
فمعناه يحرفون كلم التوراة من بعد وضعه في مواضعه ، إما تحريفا لفظيا بابدال كلمة بكلمة أو باخفائه وكتمانه أو الزيادة فيه والنقص منه ، وإما تحريفا معنويا بحمل اللفظ على غير ما وضع له
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
أي يقولون لمن ارسلوهم إلى الرسول ( ص ) ليسألوه عن حكم الرجل والمرأة اللذين زنيا منهم وأرادوا ان يحابوهما