تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
في الكشاف : ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت ( اقرأ ) وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب ( قال السيوطي ) وقال ابن حجر والذي ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول . وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول . وحجته ما أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من طريق يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لخديجة « انى إذا خلوت وحدى سمعت نداء ، فقد واللّه خشيت أن يكون هذا أمرا . فقالت معاذ اللّه ، ما كان اللّه ليفعل بك ، فو اللّه إنك لتؤدى الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث » - وفي الحديث أنه أخبر ورقة بذلك ، وأن ورقة أشار عليه بأن يثبت ويسمع النداء وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما خلا ناداه - أي الملك - « يا محمد قل :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
- حتى بلغ
وَلَا الضَّالِّينَ »
قال السيوطي في الحديث : هذا مرسل رجاله ثقات ، ونقل عن البيهقي احتمال أن هذا بعد نزول صدر
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ »
هذا - وأما الأستاذ الإمام فقد رجح أنها أول ما نزل على الاطلاق ، ولم يستثن قوله تعالى
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ »
ونزع في الاستدلال على ذلك منزعا غريبا في حكمة القرآن وفقه الدين فقال ما مثاله . ومن آية ذلك : أن السنة الإلهية في هذا الكون - سواء كان كون إيجاد أو كون تشريع - أن يظهر سبحانه الشئ مجملا ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجا ، وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة ، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوى على جميع أصولها ثم تنمو بالتدريج حتى تبسق فروعها بعد أن تعظم دوحتها ثم تجود عليك بثمرها . والفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن ، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها . ولست أعنى بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف ، كقولهم إن أسرار القرآن في الفاتحة ، وأسرار الفاتحة في البسملة ، وأسرار البسملة في الباء وأسرار الباء في نقطتها . فان هذا لم يثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عليهم