لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ، أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ )
ثم إلى السور المكية الطوال ، فلا نجدها تخرج في الأوامر والنواهي عن حد الاجمال ، كقوله عز وجل ( 17 : 23
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )
- إلى 37 منها ، وقوله بعد إباحة الزينة وانكار تحريم الطيبات من الرزق ( 7 :
32
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ )
وأما السور المدنية ففي أسلوبها شئ من الاسهاب ، ولا سيما في مخاطبة أهل الكتاب ، لأنهم أقل بلاغة وفهما من العرب الأصلاء ، ولا سيما قريش ، وما فيها من الكلام في أصول الدين أكثره محاجة لهم - لأهل الكتاب - ونعى عليهم ، وإثبات لتحريفهم ما نزل إليهم ، وابتداعهم فيه وإعراضهم عن هدايته ، ونسيانهم حظا مما ذكروا به ، ودعوة لهم إلى التوحيد الخالص توحيد الألوهية والربوبية ، وبيان لكون الإسلام الذي جاء به القرآن ، هو دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام .
وفي هذه السور المدنية أيضا بيان لما لا بد منه من الأحكام العملية في العبادات والمعاملات ، الشخصية والمدنية والسياسية والحربية ، ولأصول الحكومة الإسلامية والتشريع فيها ، كما تراه في طوال المفصل منها ، كالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة .
وقد اختلف العلماء في المكي والمدني من السور . فقيل : المكي ما نزل في شأن أهل مكة ، وإن كان نزوله في أهل المدينة . والمدني غيره ، وقيل المكي : ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة ، كالذي نزل في عام الفتح وفي حجة الوداع ، والصحيح الذي عليه الجمهور : أن المكي ما نزل قبل الهجرة ، والمدني ما نزل بعدها ، سواء نزل بالمدينة نفسها أو ضواحيها أو في مكة عام الفتح وعام حجة الوداع ، أو في غزوة من الغزوات .
فالسور المكية : هي التي نزلت في أول الاسلام لأجل الدعوة إليه ، ولبيان أساس الدين وكلياته ، من الايمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، ومن ترك الشرور والمعاصي والمنكرات المعروفة للناس بعقولهم وفطرتهم ، وفعل الخيرات والمعروف بحسب الرأي والاجتهاد الموكول إلى القلوب والضمائر . والسور المدنية هي التي ( تفسير الفاتحة ) ( 3 أول ) ( س 1 ج 1 )