تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 4001

مساهمون:

ص٤٠٠١
« وتناسق من لون آخر . في جرس الكلمات ، مع الصوت الذي يحدثه شد أحمال الحطب وجذب العنق بحبل من مسد . اقرأ :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ »
تجد فيها عنف الحزم والشد ! الشبيه بحزم الحطب وشده . والشبيه كذلك بغل العنق وجذبه . والشبيه بجو الحنق والتهديد الشائع في السورة . « وهكذا يلتقي تناسق الجرس الموسيقي ، مع حركة العمل الصوتية ، بتناسق الصور في جزئياتها المتناسقة ، بتناسق الجناس اللفظي ومراعاة النظير في التعبير ، ويتسق مع جو السورة وسبب النزول . ويتم هذا كله في خمس فقرات قصار ، وفي سورة من أقصر سور القرآن » . هذا التناسق القوي في التعبير جعل أم جميل تحسب أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد هجاها بشعر . وبخاصة حين انتشرت هذه السورة وما تحمله من تهديد ومذمة وتصوير زري لأم جميل خاصة . تصوير يثير السخرية من امرأة معجبة بنفسها ، مدلة بحسبها ونسبها . ثم ترتسم لها هذه الصورة :
« حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ »
! في هذا الأسلوب القوي الذي يشيع عند العرب ! قال ابن إسحاق : فذكر لي أن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن ، أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ، ومعه أبو بكر الصديق ، وفي يدها فهر ( أي بمقدار ملء الكف ) من حجارة . فلما وقفت عليهما أخذ اللّه ببصرها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر . فقالت : يا أبا بكر . أين صاحبك ؟ قد بلغني أنه يهجوني . واللّه لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه . أما واللّه وإني لشاعرة ! ثم قالت : مذمما عصينا وأمره أبينا ثم انصرفت . فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، أما تراها رأتك ؟ فقال : ما رأتني ، لقد أخذ اللّه ببصرها عني . . وروى الحافظ أبو بكر البزار - بإسناده - عن ابن عباس قال : لما نزلت :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ »
جاءت امرأة أبي لهب ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر . فقال له أبو بكر : لو تنحيت لا تؤذيك بشيء ! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه سيحال بيني وبينها » . . فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ، فقالت : يا أبا بكر ، هجانا صاحبك . فقال أبو بكر : لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به ، فقالت : إنك لمصدق . فلما ولت قال أبو بكر : ما رأتك ؟ قال : « لا . ما زال ملك يسترني حتى ولت » . . فهكذا بلغ منها الغيظ والحنق ، من سيرورة هذا القول الذي حسبته شعرا ( وكان الهجاء لا يكون إلا شعرا ) مما نفاه لها أبو بكر وهو صادق ! ولكن الصورة الزرية المثيرة للسخرية التي شاعت في آياتها ، قد سجلت في الكتاب الخالد ، وسجلتها صفحات الوجود أيضا تنطق بغضب اللّه وحربه لأبي لهب وامرأته جزاء الكيد لدعوة اللّه ورسوله ، والتباب والهلاك والسخرية والزراية جزاء الكائدين لدعوة اللّه في الدنيا ، والنار في الآخرة جزاء وفاقا ، والذل الذي يشير إليه الحبل في الدنيا والآخرة جميعا . . .