ولما أجمع بنو هاشم بقيادة أبي طالب على حماية النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ولو لم يكونوا على دينه ، تلبية لدافع العصبية القبلية ، خرج أبو لهب على إخوته ، وحالف عليهم قريشا ، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم وتجويعهم كي يسلموا لهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم .
وكان قد خطب بنتي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - رقية وأم كلثوم لولديه قبل بعثة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما حتى يثقل كاهل محمد بهما ! وهكذا مضى هو وزوجته أم جميل يثيرانها حربا شعواء على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى الدعوة ، لا هوادة فيها ولا هدنة . وكان بيت أبي لهب قريبا من بيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فكان الأذى أشد . وقد روي أن أم جميل كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي ؛ وقيل : إن حمل الحطب كناية عن سعيها بالأذى والفتنة والوقيعة .
نزلت هذه السورة ترد على هذه الحرب المعلنة من أبي لهب وامرأته . وتولى اللّه - سبحانه - عن رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أمر المعركة !
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ »
. . والتباب الهلاك والبوار والقطع . « و
تَبَّتْ »
الأولى دعاء .
« وَتَبَّ »
الثانية تقرير لوقوع هذا الدعاء . ففي آية قصيرة واحدة في مطلع السورة تصدر الدعوة وتتحقق ، وتنتهي المعركة ويسدل الستار ! فأما الذي يتلو آية المطلع فهو تقرير ووصف لما كان .
« ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ »
. . لقد تبت يداه وهلكتا وتب هو وهلك . فلم يغن عنه ماله وسعيه ولم يدفع عنه الهلاك والدمار .
ذلك - كان - في الدنيا . أما في الآخرة فإنه :
« سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ »
. . ويذكر اللهب تصويرا وتشخيصا للنار وإيحاء بتوقدها وتلهبها .
« وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ »
. . وستصلاها معه امرأته حالة كونها حمالة للحطب . . وحالة كونها :
« فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ »
. . أي من ليف . . تشد هي به في النار . أو هي الحبل الذي تشد به الحطب . على المعنى الحقيقي إن كان المراد هو الشوك . أو المعنى المجازي إن كان حمل الحطب كناية عن حمل الشر والسعي بالأذى والوقيعة .
وفي الأداء التعبيري للسورة تناسق دقيق ملحوظ مع موضوعها وجوها ، نقتطف في بيانه سطورا من كتاب :
« مشاهد القيامة في القرآن » نمهد بها لوقع هذه السورة في نفس أم جميل التي ذعرت لها وجن جنونها :
« أبو لهب . سيصلى نارا ذات لهب . . وامرأته حمالة الحطب . ستصلاها وفي عنقها حبل من مسد » . .
« تناسق في اللفظ ، وتناسق في الصورة . فجهنم هنا نار ذات لهب . يصلاها أبو لهب ! وامرأته تحمل للحطب وتلقيه في طريق محمد لإيذائه ( بمعناه الحقيقي أو المجازي ) . . . والحطب مما يوقد به اللهب . وهي تحزم الحطب بحبل . فعذابها في النار ذات اللهب أن تغل بحبل من مسد . ليتم الجزاء من جنس العمل ، وتتم الصورة بمحتوياتها الساذجة : الحطب والحبل . والنار واللهب . يصلى به أبو لهب وامرأته حمالة الحطب !