تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3991

مساهمون:

ص٣٩٩١
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ . قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
« 1 »
»
. وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم ، وأنهم أهدى من أهل الكتاب ، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة العربية ، لأن اليهود كانوا يقولون : عزير ابن اللّه . والنصارى كانوا يقولون : عيسى ابن اللّه . بينما هم كانوا يعبدون الملائكة والجن على اعتبار قرابتهم من اللّه - بزعمهم - فكانوا يعدون أنفسهم أهدى . لأن نسبة الملائكة إلى اللّه ونسبة الجن كذلك أقرب من نسبة عزير وعيسى . . وكله شرك . وليس في الشرك خيار . ولكنهم هم كانوا يحسبون أنفسهم أهدى وأقوم طريقا ! فلما جاءهم محمد - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : إن دينه هو دين إبراهيم - عليه السلام - قالوا : نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد ؟ ! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - خطة وسطا بينهم وبينه ؛ وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه ! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم ، وله فيهم وعليهم ما يشترط ! ولعل اختلاط تصوراتهم ، واعترافهم باللّه مع عبادة آلهة أخرى معه . . لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة ، يمكن التفاهم عليها ، بقسمة البلد بلدين ، والالتقاء في منتصف الطريق ، مع بعض الترضيات الشخصية ! ولحسم هذه الشبهة ، وقطع الطريق على المحاولة ، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة ، ومنهج ومنهج ، وتصور وتصور ، وطريق وطريق . . نزلت هذه السورة . بهذا الجزم . وبهذا التوكيد . وبهذا التكرار . لتنهي كل قول ، وتقطع كل مساومة وتفرق نهائيا بين التوحيد والشرك ، وتقيم المعالم واضحة ، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير :
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ »
. نفي بعد نفي . وجزم بعد جزم . وتوكيد بعد توكيد . بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد . .
« قُلْ »
. . فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر اللّه وحده . ليس لمحمد فيه شيء . إنما هو اللّه الآمر الذي لا مرد لأمره ، الحاكم الذي لا راد لحكمه .
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ »
. . ناداهم بحقيقتهم ، ووصفهم بصفتهم . . إنهم ليسوا على دين ، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون . فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق . . وهكذا يوحي مطلع السورة وافتتاح الخطاب ، بحقيقة الانفصال الذي لا يرجى معه اتصال !
« لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ »
. . فعبادتي غير عبادتكم ، ومعبودي غير معبودكم . .
« وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ »
فعبادتكم غير عبادتي ، ومعبودكم غير معبودي .
« وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ »
. . توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الاسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها .
« وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ »
. . تكرار لتوكيد الفقرة الثانية . كيلا تبقي مظنة ولا شبهة ، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد !
هامش
( 1 ) يراجع تفسير هذه الآيات في سورة الأنعام الجزء الثامن ص 1217 - 1222 .
في ظلال القرآن — صفحة 3991 | سيد قطب