تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3900

مساهمون:

ص٣٩٠٠
في أولها إعفاء أعصاب الرسول من حمل هم الدعوة بعد البلاغ ، وتركها لقدر اللّه يفعل بها ما يشاء . فإلحاح الرغبة البشرية بانتصار دعوة الخير وتناول الناس لهذا الخير ، إلحاح عنيف جدا يحتاج إلى هذا الإيحاء المتكرر بإخراج الداعية لنفسه ولرغائبه هذه من مجال الدعوة ، كي ينطلق إلى أدائها كائنة ما كانت الاستجابة ، وكائنة ما كانت العاقبة . فلا يعني نفسه بهمّ من آمن وهمّ من كفر . ولا يشغل باله بهذا الهم الثقيل حين تسوء الأحوال من حول الدعوة ، وتقل الاستجابة ، ويكثر المعرضون والمخاصمون . ومما يدل على إلحاح الرغبة البشرية في انتصار دعوة اللّه وتذوق الناس لما فيها من خير ورحمة ، هذه التوجيهات المتكررة للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو من هو تأدبا بأدب اللّه ومعرفة لحدوده ولقدر اللّه . . ومن ثم اقتضى إلحاح هذه الرغبة هذا العلاج الطويل المتكرر في شتى الأحيان . . ولكن إذا كان هذا هو حد الرسول ، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد . ولا يذهب المكذبون ناجين ، ولا يتولون سالمين . إن هنالك اللّه وإليه تصير الأمور :
« إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ »
. . وهم راجعون إلى اللّه وحده قطعا ، وهو مجازيهم وحده حتما . وهذا هو الإيقاع الختامي في السورة في صيغة الجزم والتوكيد .
« إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ »
. . بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة . ودور كل داعية إليها بعده . . إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على اللّه . ولا مفر لهم من العودة إليه ، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه . غير أنه ينبغي أن يفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير . فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء ، بلا تقصير فيها ولا اعتداء . .
في ظلال القرآن — صفحة 3900 | سيد قطب