تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3897

مساهمون:

ص٣٨٩٧
بعد ذلك أشد . وطبيعته لا يتذوقها إلا من يذوقها والعياذ باللّه ! وعلى الجانب الآخر :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ . لِسَعْيِها راضِيَةٌ : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ . لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً . فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ . فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ . وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ . وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ »
. . فهنا وجوه يبدو فيها النعيم . ويفيض منها الرضى . وجوه تنعم بما تجد ، وتحمد ما عملت . فوجدت عقباه خيرا ، وتستمتع بهذا الشعور الروحي الرفيع . شعور الرضى عن عملها حين ترى رضى اللّه عنها . وليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته ، ثم يراها ممثلة في رضى اللّه الكريم . وفي النعيم . ومن ثم يقدم القرآن هذا اللون من السعادة على ما في الجنة من رخاء ومتاع ، ثم يصف الجنة ومناعمها المتاحة لهؤلاء السعداء :
« فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ »
. . عالية في ذاتها رفيعة مجيدة . ثم هي عالية الدرجات . وعالية المقامات . وللعلو في الحس إيقاع خاص .
« لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً »
. . ويطلق هذا التعبير جوا من السكون والهدوء والسلام والاطمئنان والود والرضى والنجاء والسمر بين الأحباء والأوداء ، والتنزه والارتفاع عن كل كلمة لاغية ، لا خير فيها ولا عافية . . وهذه وحدها نعيم . وهذه وحدها سعادة . سعادة تتبين حين يستحضر الحس هذه الحياة الدنيا ، وما فيها من لغو وجدل وصراع وزحام ولجاج وخصام وقرقعة وفرقعة . وضجة وصخب ، وهرج ومرج . ثم يستسلم بعد ذلك لتصور الهدوء الآمن والسلام الساكن والود الرضي والظل الندي في العبارة الموحية :
« لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً »
وألفاظها ذاتها تنسم الروح والندى وتنزلق في نعومة ويسر ، وفي إيقاع موسيقي ندي رخي ! وتوحي هذه اللمسة بأن حياة المؤمنين في الأرض وهم ينأون عن الجدل واللغو ، هي طرف من حياة الجنة ، يتهيئون بها لذلك النعيم الكريم . وهكذا يقدم اللّه من صفة الجنة هذا المعنى الرفيع الكريم الوضيء . ثم تجيء المناعم التي تشبع الحس والحواس . تجيء في الصورة التي يملك البشر تصورها . وهي في الجنة مكيفة وفق ما ترتقي إليه نفوس أهل الجنة . مما لا يعرفه إلا من يذوقه !
« فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ »
. . والعين الجارية : الينبوع المتدفق . وهو يجمع إلى الري الجمال . جمال الحركة والتدفق والجريان . والماء الجاري يجاوب الحس بالحيوية وبالروح التي تنتفض وتنبض ! وهو متعة للنظر والنفس من هذا الجانب الخفي ، الذي يتسرب إلى أعماق الحس .
« فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ »
. . والارتفاع يوحي بالنظافة كما يوحي بالطهارة . .
« وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ »
. . مصفوفة مهيأة للشراب لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد !
« وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ »
. . والنمارق الوسائد والحشايا للاتكاء في ارتياح !
« وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ »
. . والزرابي البسط ذات الخمل « السجاجيد » مبثوثة هنا وهناك للزينة وللراحة سواء ! وكلها مناعم مما يشهد الناس له أشباها في الأرض . وتذكر هذه الأشياء لتقريبها إلى مدارك أهل الأرض . أما طبيعتها وطبيعة المتاع بها فهي موكولة إلى المذاق هناك . للسعداء الذين يقسم اللّه لهم هذا المذاق ! ومن اللغو الدخول في موازنات أو تحقيقات حول طبيعة النعيم - أو طبيعة العذاب - في الآخرة . فإدراك طبيعة شيء ما متوقف على نوع هذا الإدراك . وأهل الأرض يدركون بحس مقيد بظروف هذه الأرض وطبيعة الحياة فيها . فإذا كانوا هناك رفعت الحجب وأزيلت الحواجز وانطلقت الأرواح والمدارك ، وتغيرت مدلولات الألفاظ ذاتها بحكم تغير مذاقها ، وكان ما سيكون ، مما لا نملك أن ندرك الآن كيف يكون ! إنما نفيد من هذه الأوصاف أن يستحضر تصورنا أقصى ما يطيقه من صور اللذاذة والحلاوة والمتاع . وهو