تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3807

مساهمون:

ص٣٨٠٧
إن هنالك يوما للحكم والفرقان والفصل في كل ما كان . وهو اليوم المرسوم الموعود الموقوت بأجل عند اللّه معلوم محدود :
« إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً »
. . وهو يوم ينقلب فيه نظام هذا الكون وينفرط فيه عقد هذا النظام .
« يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً . وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً »
. . والصور : البوق . ونحن لا ندري عنه إلا اسمه . ولا نعلم إلا أنه سينفخ فيه . وليس لنا أن نشغل أنفسنا بكيفية ذلك . فهي لا تزيدنا إيمانا ولا تأثرا بالحادث . وقد صان اللّه طاقتنا عن أن تتبدد في البحث وراء هذا الغيب المكنون ، وأعطانا منه القدر الذي ينفعنا فلا نزيد ! إنما نحن نتصور النفخة الباعثة المجمعة التي يأتي بها الناس أفواجا . . نتصور هذا المشهد والخلائق التي تورات شخوصها جيلا بعد جيل ، وأخلت وجه الأرض لمن يأتي بعدها كيلا يضيق بهم وجه الأرض المحدود . . نتصور مشهد هذه الخلائق جميعا . . أفواجا . . مبعوثين قائمين آتين من كل فج إلى حيث يحشرون . ونتصور الأجداث المبعثرة وهذه الخلائق منها قائمة . ونتصور الجموع الحاشدة لا يعرف أولها آخرها ، ونتصور هذا الهول الذي تثيره تلك الحشود التي لم تتجمع قط في وقت واحد وفي ساعة واحدة إلا في هذا اليوم . . أين ؟ لا ندري . . ففي هذا الكون الذي نعرفه أحداث وأهوال جسام :
« وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً . وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً »
. . السماء المبنية المتينة . . فتحت فكانت أبوابا . . فهي منشقة . منفرجة . كما جاء في مواضع وسور أخرى . على هيئة لا عهد لنا بها . والجبال الرواسي الأوتاد سيرت فكانت سرابا . فهي مدكوكة مبسوسة مثارة في الهواء هباء ، يحركه الهواء - كما جاء في مواضع وسور أخرى . ومن ثم فلا وجود لها كالسراب الذي ليس له حقيقة . أو إنها تنعكس إليها الأشعة وهي هباء فتبدو كالسراب ! إنه الهول البادي في انقلاب الكون المنظور ، كالهول البادي في الحشر بعد النفخ في الصور . وهذا هو يوم الفصل المقدر بحكمة وتدبير . . ثم يمضي السياق خطوة وراء النفخ والحشر ، فيصور مصير الطغاة ومصير التقاة . بادئا بالأولين المكذبين المتسائلين عن النبأ العظيم :
« إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ، لِلطَّاغِينَ مَآباً ، لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً . لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً . جَزاءً وِفاقاً . إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ، وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً . فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً »
. . إن جهنم خلقت ووجدت وكانت مرصادا للطاغين تنتظرهم وتترقبهم وينتهون إليها فإذا هي معدة لهم ، مهيأة لاستقبالهم . وكأنما كانوا في رحلة في الأرض ثم آبوا إلى مأواهم الأصيل ! وهم يردون هذا المآب للإقامة الطويلة المتجددة أحقابا بعد أحقاب :
« لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً »
. . ثم يستثني . . فإذا الاستثناء أمرّ وأدهى :
« إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً »
. . إلا الماء الساخن يشوي الحلوق والبطون . فهذا هو البرد ! وإلا الغساق الذي يغسق من أجساد المحروقين ويسيل . فهذا هو الشراب !