تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3289

مساهمون:

ص٣٢٨٩
وبعد فهذا شرط اللّه على الذين آمنوا . فأما شرطه لهم فهو النصر وتثبيت الأقدام . وعد اللّه لا يخلفه . فإذا تخلف فترة ؛ فهو أجل مقدر لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت « 1 » . ذلك حين يصح أن المؤمنين وفوا بالشرط ثم تخلف عنهم - فترة - نصر اللّه : ثم نقف لحظة أمام لفتة خاصة في التعبير :
« يَنْصُرْكُمْ . وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ »
. . إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر ، ويكون سببا فيه . وهذا صحيح . ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت . معنى التثبيت على النصر وتكاليفه . فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان ، وبين الحق والضلال . فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة . للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر . وفي عدم التراخي بعده والتهاون . وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء . ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء . وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر . ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن . والعلم للّه .
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ »
. . وذلك عكس النصر وتثبيت الأقدام . فالدعاء بالتعس قضاء من اللّه سبحانه بالتعاسة والخيبة والخذلان وإضلال الأعمال ضياع بعد ذلك وفناء . .
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ »
. . وهو تصوير لما يعتمل في قلوبهم ويختلج في نفوسهم من الكراهية لما أنزل اللّه من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه . وهذا هو الذي يدفع بهم إلى الكفر والعناد والخصومة والملاحاة . وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة التي تكره بطبعها ذلك النهج السليم القويم ، وتصادمه من داخلها ، بحكم مغايرة طبيعتها لطبيعته . وهي نفوس يلتقي بها الإنسان كثيرا في كل زمان وفي كل مكان ، ويحس منها النفرة والكراهية لهذا الدين وما يتصل به ؛ حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره كما لو كانت قد لذعتها العقارب ! وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث ! ولعلنا نشاهد في هذه الأيام حالة من هذا الطراز لا تخفى على الملاحظة ! وكان جزاء هذه الكراهية لما أنزل اللّه ، أن أحبط اللّه أعمالهم . وإحباط الأعمال تعبير تصويري على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير . فالحبوط انتفاخ بطون الماشية عند أكلها نوعا من المرعى سام . ينتهي بها إلى الموت والهلاك . وكذلك انتفخت أعمالهم وورمت وانبعجت . . ثم انتهت إلى الهلاك والضياع ! إنها صورة وحركة ، ونهاية مطابقة لحال من كرهوا ما أنزل اللّه ثم تعاجبوا بالأعمال الضخام . المنتفخة كبطون الأنعام ، حين ترعى من ذلك النبت السام ! ثم يلوي أعناقهم إلى مصارع الغابرين قبلهم في شدة وعنف :
« أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ؟ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها »
. . وهي لفتة عنيفة مروعة ، فيها ضجة وفرقعة . وفيها مشهد للذين من قبلهم يدمر عليهم كل ما حولهم ، وكل مالهم ، فإذا هو أنقاض متراكمة ، وإذا هم تحت هذه الأنقاض المتراكمة . وذلك المشهد الذي يرسمه التعبير
هامش
( 1 ) تراجع الظلال في سورة الحج عند قوله تعالى :« إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا »من ص 2424 إلى ص 2427 من جزء 17 .